أبقى لنا فقد النبي محمد * صلى الإله عليه ما يعتاد
حزنا لعمرك في الفؤاد مخامرا * أو هل لمن فقد النبي رقاد
كنا نحل به جنابا ممرعا * جف الجناب فأجدب الورّاد
فبكت عليه أرضنا وسماؤنا * وتصدعت وجدا به الأكباد
قلّ المتاع به وكان عيانه * حلما تضمن سكر فيه رقاد
إن النبي وفاته كحياته * الحقّ حقّ والجهاد جهاد
ولو قيل تفدون النبي محمدا * بذلت له الأموال والأولاد
وتسارعت فيه النفوس ببذلها * هذا له الأغياب والأشهاد
هذا وهذا لا يردّ نبينا * لو كان يفديه فداه سواد
إني أحاذر والحوادث جمة * أمرا لعاصف ريحه إرعاد
إن حل منه ما يخاف فأنتم * للأرض إن رجفت بنا أوتاد
لو راد قوم فوق منية صاحب * ردتم وليس لمنية مرتاد
فأعجب القوم شعره وقوله فأجابوه إلى ما أحب .
وروى أبو جعفر العقيلي في كتاب الصحابة رضي اللّه عنهم عن رجل من بني لهب يقال له لهب أو لهيب قال : حضرت مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فذكرت عنده الكهانة ، فقلت : بأبي أنت وأمي نحن أول من عرف حراسة السماء وزجر الشياطين ومنعهم من استراق السمع عند قذف النجوم ، وذلك أننا اجتمعنا عند كاهن يقال له خطر بن مالك ، وكان شيخا كبيرا قد أتت عليه مائتا سنة وثمانون ، وكان من أعلم كهاننا فقلنا له : يا خطر هل عندك علم من هذه النجوم التي يرمى بها فإننا قد فزعنا لها وخشينا سوء عاقبتها . فقال : عودوا إليّ السّحر أخبركم الخبر ألخير أم ضرر ولأمن أم حذر ، قال : فانصرفنا عنه يومنا ، فلما كان من غد في وجه السّحر أتيناه فإذا هو قائم على قدميه شاخص إلى السماء بعينيه . فناديناه : يا خطر يا خطر ، فأومأ إلينا أمسكوا أمسكوا ، فأمسكنا وانقض نجم عظيم من السماء ، وصرخ الكاهن رافعا صوته : أصابه أصابه ، خامره عقابه ، عاجله عذابه ، أحرقه شهابه ، زايله جوابه ، يا ويله ما حاله ، بلبله بلباله عاوده حباله ، تقطعت حباله ، وغيرت أحواله ، ثم أمسك طويلا فإذا هو يقول :
يا معشر العرب بني قحطان * أخبركم بالحق والبيان
أقسمت بالكعبة والأركان * والبلد المؤتمن السدّان
قد منع السمع عتاة الجان * بثاقب يكف ذي سلطان
من أجل مبعوث عظيم الشان * يبعث بالتنزيل والقرآن