الَّذِي لا يَمُوتُ
[ الفرقان : 58 ] أعصاه في ذلك وعلّق قلبه بطعام أو شراب أو دراهم أو دنانير ؟ كلا . وحاشا أن يكون ذلك بل كان قلبه مع اللّه تعالى وتوكله عليه . وإنما أخذ الزاد هو وأصحابه لبيان الجواز لا لميل قلوبهم عن اللّه تعالى إلى الزاد ، واللّه أعلم .
وقال عليّ رضي اللّه عنه : إن هذا الرزق ينزل من السماء كقطر المطر إلى كل نفس ما كتب اللّه لها . انتهى .
فصل : [ وإذ تقدّم ذكر النملة فاسمع فيها نكتة تساوي رحلة . . . ]
وإذ تقدّم ذكر النملة فاسمع فيها نكتة تساوي رحلة : تقدّم أنها تجمع وترفع كما جاء في حديث سليمان عليه الصلاة والسلام أنه كان يفهم منطق الطير كما تقدم ، ويفهم قول الحكل ، والحكل : ما لا يسمع له صوت . يقال : فلان في لسانه حكلة ، أي عجمة لا يبين الكلام . وقال العماني يمدح رجلا :
ويفهم قول الحكل لو أن نملة * تساود أخرى لم يفته سوادها
السواد : السرار . وسيأتي القول فيه . وقال رؤبة :
لو كنت قد أوتيت علم الحكل * علم سليمان كلام النمل
وفي القرآن العزيز :
حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ
[ النمل : 18 ] أي :
لا يعلمون بكم .
جاء في التفسير : كان بالشام نملة كالذئاب ، وأفهم اللّه النملة هذا ليكون معجزة لسليمان عليه الصلاة والسلام . فكان يكلم النملة وتكلمه ، فسأل مرة نملة : كم تأكلين في السنة ؟ فقالت : ثلاث حبات . فأخذ نملة وجعلها في حق وجعل معها ثلاثة حبات ، ثم نظر إليها بعد سنة فوجدها قد أكلت حبة ونصف حبة . فقال : كيف هذا ؟ فقالت : لما سجنتني هنا ، وأنت ابن آدم تنسى ، خشيت أن تنساني فوفرت قوت عام آخر . أو كما قال الحديث هذا معناه .
وجاء في بعض الأخبار أن المطر أبطأ عن قوم من بني إسرائيل فقالوا : إن لم نمطر هلكنا . فلما علم اللّه ذلك من قلوبهم ورأى أنهم قد اتكلوا على المطر أوحى اللّه تعالى إلى نبيهم : إني قد أمرت السماء أن لا تمطرهم ، وأمرت الأرض أن لا تنبت لهم شيئا ، وقد أوحيت إلى أضعف خلقي أن يقوتهم في هذه السنة ، فأمرهم أن يتتبعوا قرى النمل فليمتاروا منها قوت سنتهم ، فأخرجت النمل ما كان عندها ، فجعل الرجل منهم يأتي فيكتال قوت سنته وينصرف به ، فلما كان في العام المقبل قالوا نزرع ولا نبالي جاء المطر أو لم يجئ فإن اللّه سيرزقنا . فلما علم اللّه ذلك منهم أوحى إلى نبيهم : إني قد