هيهات غل يدا مطلقها واسترق رقبة معتقها ، ثم قال :
أأقاتل الحجاج عن سلطانه * بيد تقرّ بأنها مولاته
إني إذا لأخو الدناءة والذي * ظهرت على أفعاله جهلاته
ماذا أقول إذا وقفت إزاءه * في الصف واحتجّت له فعلاته
وتحدّث القوم أن صنائعا * غرست لديّ فحنظلت نخلاته
أأقول جار عليّ إني فيكم * لأحق من جارت عليه ولاته
تاللّه لا كدت الأمير بآلة * وجوارحي وسلاحها آلاته
وأتي يوما بامرأة حرورية فقال لأصحابه : ما تقولون في هذه ؟ فقالوا : اقتلها أصلح اللّه الأمير ، ونكل بها ليعتبر غيها ، قال : فتبسمت الحرورية ، فقال لها : لم تبسمت ؟
فقالت : لقد كان وزراء أخيك فرعون خيرا من وزرائك يا حجاج ، قد استشارهم في قتل موسى فقالوا : أرجه وأخاه ، وهؤلاء يأمرونك بتعجيل قتلي ، فضحك الحجاج وأمر بإطلاقها .
وكذلك يروى أنه أمر بتقديم قوم للقتل فقام رجل من الأسرى فقال : أيها الأمير إن لي عندك يدا ، قال : وما هي ؟ قال : سمعت ابن الأشعث يسبك فرددت عليه ، قال :
ومن يشهد لك بذاك ؟ فقام الرجل فقال : أنشد اللّه رجلا سمع مقالتي إلا شهد لي ، فقام رجل من الأسرى فقال : صدق ، فقال الحجاج : أطلقوا هذا ، ثم أقبل على الآخر فقال :
ما منعك أن ترد عليه أنت كما ردّ عليه هذا ؟ قال : لقديم بغضي فيك ، فقال : وهذا أيضا أطلقوه لصدقه .
ويروى أن معن بن زائدة كان عزم على قتل جماعة من الأسرى ، وكان من الكرام كما تقدّم ، فلما أمر بإخراجهم للقتل ومثلوا بين يديه ؛ قام إليه أصغر القوم سنا وقال له : يا معن أتقتل الأسرى وقد جاعوا وقد عطشوا ؟ فأمر لهم بطعام وشراب ، فلما أكلوا وشبعوا وارتووا قام إليه ، فقال له : يا معن أتقتل أضيافك ؟ فحلم عنهم وخلى سبيلهم ، وتعجب من حيلة الفتى .
وأما سوء سيرة الحجاج وقبح سريرته ؛ فقد خرج ابن قتيبة في عيون الأخبار أنه خطب الناس حين أراد الحج فقال : أيها الناس إني أريد الحج ، وقد استخلفت عليكم ابني هذا ، وأوصيته بخلاف ما أوصى به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في الأنصار ، أوصى أن يقبل من محسنهم وأن يتجاوز عن مسيئهم ، وإني أمرته أن لا يقبل من محسنكم ولا يتجاوز عن مسيئكم ، ألا وإنكم ستقولون بعدي مقالة لا يمنعكم من إظهارها إلا مخافتي ، ستقولون : لا أحسن اللّه الصحبة ، ألا وإني معجل لكم الجواب :