الأبيات . فلما اسلم كان أصح الناس إيمانا وألزمهم لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فيقال : إنه ما رفع رأسه إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حياء منه رضي اللّه عنه . وفيه قال النبي عليه الصلاة والسلام : أبو سفيان خير أهلي ، أو : من خير أهلي . وله قال النبي عليه الصلاة والسلام : أنت يا أبا سفيان كما قيل : كل الصيد في جوف الفرا .
وقيل : بل قالها لأبي سفيان بن حرب ، والأوّل أصح .
ومات أبو سفيان بن الحارث رضي اللّه عنه بالمدينة في خلافة عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ، وقال عند موته : لا تبكين عليّ فإني لم أنطق بخطيئة منذ أسلمت . ومات من ثؤلول كان في رأسه حلقه الحلاق له في حج فقطعه مع الشعر فنزف دم منه ، واسمه المغيرة ، وقيل : بل اسمه كنيته والمغيرة أخوه . قال القتيبي : إخوته المغيرة ونوفل وعبد شمس وربيعة بن الحارث بن عبد المطلب . نقلت أكثرها من كتاب الصحابة لابن عبد البر ، وكان أبو سفيان هذا يشبه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وكان يشبهه أيضا جعفر بن أبي طالب والحسن بن علي وقثم بن العباس والسائب بن عبيد .
وكان أبو سفيان من الشعراء المطبوعين ، وله مقطوعات من شعر يبكي بها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، منها :
أرقت فبات ليلي لا يزول * وليل أخي المصيبة فيه طول
وأسعدني البكاء وذاك فيما * أصيب المسلمون به قليل
لقد عظمت مصيبتنا وجلّت * عشية قيل قد مات الرسول
وأضحت أرضه مما عراها * تكاد بها جوانبها تزول
فقدنا الوحي والتنزيل فينا * يروح به ويغدو جبريل
وذاك أحق ما سالت عليه * نفوس الناس أو كادت تسيل
نبيّ كان يجلو الشك عنا * بما يوحى إليه وما يقول
ويهدينا فلا نخشى ضلالا * علينا والرسول لنا دليل
أفاطم إن جزعت فذاك عذر * وإن لم تجزعي ذاك السبيل
فقبر أبيك سيد كل قبر * وفيه سيد الناس الرسول
أسلم أبو سفيان هذا يوم الفتح ، قال له علي بن أبي طالب : ائت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من قبل وجهه ، فقل له ما قال إخوة يوسف ليوسف :
تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ
[ يوسف : 91 ] ، فإنه لا يرضى أن يكون أحدا أحسن قولا منه ، ففعل ذلك أبو سفيان ، فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم :
لا تَثْرِيبَ