تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة ) — صفحة 397

مساهمون:

ص٣٩٧
حتى سالت السيول ، فلما رأى سرعتهم إلى الكن ضحك حتى بدت نواجذه ، فقال : أشهد أن اللّه على كل شيء قدير وأني عبد اللّه ورسوله . وأزيدكم أيها البنون استسقاء سعدون المجنون ، قال عطاء السلمي رضي اللّه عنه : منعنا الغيث ، فخرجنا نستسقي ، فإذا نحن بسعدون المجنون ، فنظر إليّ فقال : يا عطاء هذا يوم النشور أم بعثر من في القبور ؟ فقلت : لا ولكن منعنا الغيث فخرجنا نستسقي ، فقال : يا عطاء بقلوب خاوية أو بقلوب سماوية ؟ فقلت له : بل بقلوب سماوية ، فقال : هيهات يا عطاء ، قل للمتبهرجين لا يتبهرجوا فإن الناقد بصير ، ثم رمق إلى السماء بطرفه وقال : إلهي لا تهلك بلادك بذنوب عبادك ولكن بالمكنون من آلائك إلا ما سقيتنا ماء غدقا تحيي به العباد وتروي به البلاد ، يا من هو على كل شيء قدير . قال عطاء : فما استتم الكلام حتى أرعدت السماء وأبرقت ، وجاءنا بمطر كأفواه القرب ، فولى وهو يقول :
نعم الزاهدون والعابدونا * إذ لمولاهم أجاعوا البطونا شغلتهم عبادة اللّه حتى * قيل في الناس إن فيهم جنونا
وروي أن الناس أقحطوا سنة ، فرأى رجل من الصالحين في النوم يقال له : استسق بهذين البيتين ففعل فسقوا بهما :
يا محيي الأرض بعد ميتتها * ومنزل الغيث والورى قنطوا ارحم عبيدا نفوسهم ظلموا * وأحيي أرضا أصابها القحط
وهذا القول أيضا قد فرغ بعد ما أفرغت عليك منه عباب اللباب خرج من خلل ذلك الباب ، ثم أرجع إلى بقية الكلام بعون اللّه ذي الجلال والإكرام . وتقدّم ذكر الباب وفي كتاب اللّه عز وجل منه كثير ، قال تعالى :
وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ
[ الرعد : 23 ] ،
وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها
[ البقرة : 189 ] ومعناه أن قريشا كانت في الجاهلية إذا أحرم أحدهم بالحج لم يدخل بيته من بابه ، وثقب في الحائط ثقبا من خلف الدار أو الحجرة فدخل منه ، وكانوا يفعلون ذلك لئلا يحول بينهم وبين السماء سقف أو عتبة ، وكان ذلك من دينهم ، فنسخه اللّه بالإسلام . وقيل : معناه اطلبوا الخير من بابه ، ولا تطلبوه من الجهال المشركين . وقيل : هو كناية عن إتيان النساء في أدبارهن ، واللّه أعلم بما أراد من ذلك . وسيأتي الكلام على هذا في باب النون عند قوله تعالى :
أَنَّى شِئْتُمْ
[ البقرة : 223 ] مستوفى إن شاء اللّه . وأختم لك باب باب بحكمة من لباب اللباب : رأيت للفقيه الفاضل أبي القاسم