في القلب كنور البصر في العين ينقص ويزيد ويذهب ويعود ، وإليه أشار شيخي رحمه اللّه في شعره المتقدّم . وكما يفقد البصر من العين ولا يتغيّر شكلها كذلك يفقد العقل من القلب ولا تتغيّر هيئته ، وأسوأ العمى عمى القلب ، وفي القرآن العزيز :
فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ
[ الحج : 46 ]
وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ
[ النور : 40 ] ، وفي الحديث : ليس الأعمى من عمي بصره إنما الأعمى من عميت بصيرته ، نعوذ باللّه من هذين العميين ، ونسأله السلامة في الدارين .
قيل لعمرو بن العاص : ما العقل ؟ قال : الإصابة بالظن ومعرفة ما يكون بما قد كان ، وقال له يوما معاوية رحمه اللّه : ما بلغ من عقلك ؟ قال : ما دخلت في شيء قط إلا خرجت منه ، قال له معاوية : لكني ما دخلت في شيء قط أريد الخروج منه ، قلت :
خرجت من شيء إلى غيره * ولم أقف ها أنا ذا أخرج
لكن لما لا بدّ منه وما * أنت له من غيره أحوج
فصل : [ تقدّم ما خرّج أهل الصحيح من حديث موسى والخضر عليهما السلام . . . ]
تقدّم ما خرّج أهل الصحيح من حديث موسى والخضر عليهما السلام وما قص اللّه تعالى عنهما في كتابه العزيز ، وفيه من قول الخضر لموسى عليهما السلام : يا موسى ما نقص علمي وعلمك من علم اللّه إلا مثل ما نقص هذا العصفور بمنقاره من البحر .
وفي رواية : ما علمي وعلم الخلائق في علم اللّه إلا مقدار ما غمس هذا العصفور منقاره .
قلت : قال بعض أهل العلم : أما قوله : مقدار ما غمس ، فبيّن ، وكذلك ما ذكره ابن سلام في تفسير الآية أنهما لم يتفرقا حتى بعث اللّه طائرا فطار إلى المشرق ، ثم طار إلى المغرب ، ثم طار نحو السماء ، ثم هبط إلى البحر ، فتناول من ماء البحر بمنقاره وهما ينظران ، فقال الخضر : أتعلم ما يقول هذا الطائر ؟ يقول : ورب المشرق ورب المغرب ورب السماء السابعة ورب الأرض السابعة ما علمي وعلمك يا خضر وعلم موسى في علم اللّه إلا قدر الماء الذي تناولته من البحر في منقاري .
وأما ما وقع في الحديث الأوّل من ذكر النقص من العلم ، وما وقع في حديثه الآخر فيما يرويه عليه السلام عن ربه تعالى : يا عبادي لو أنّ أوّلكم وآخركم وإنسكم وجنّكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل في البحر .
وفي حديث آخر في معناه : ما نقص ذلك من ملكي إلا كما لو أن أحدكم مرّ