فإذا الأشائم كالأيا * من والأيامن كالأشائم
وكذاك لا خير ولا * شرّ على أحد بدائم
قد خط ذلك في الزبو * ر الأوّليات القدائم
وكانوا يكتبون الحكم في الحجارة . وقيل : سمي الغراب حاتما لسواده . والحاتم :
الخالص السواد ، والواقي : الصرد ، على مثال القاضي . وقيل : هو الواق بكسر القاف من غير ياء ، وإنما سمي بذلك لحكاية صوته .
النهي عن الطيرة
قلت : وهذا القول من هذا الشاعر قول مؤمن بالقدر مكذب بالطير لقوله عليه السلام : لا طيرة . وكانوا في الجاهلية يتطيرون بالبارح والسارح وبما طار لهم من جهة اليمين إلى الشمال ومن الشمال إلى اليمين ، فهدم ذلك الإسلام ونهى عنه عليه السلام ، فقال : أقروا الطير على مكناتها ، ويروى : مكناتها بضم الكاف ، أي على أمكنتها ، ويروى : وكناتها ، أي على مواضعها فلا تزجروها ولا تلتفتوا إليها فإنها لا تضر ولا تنفع . وقد أخبر النبي صلى اللّه عليه وسلم أن هذا من أمر الجاهلية وأن المسلم ربما وقع في نفسه من هذا شيء فعلم كيف المخرج منه ، فقال صلى اللّه عليه وسلم : وإذا تطيّرت فامض ، أي لا تلتفت إلى الذي وقع في نفسك ، فإذا فعل هذا الإنسان فقد تحقق بالإيمان وسلم من الشيطان ، وقد جاء في القرآن العزيز ذكر التطيّر في مواضع :
إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ
[ يس : 18 ] ،
قالُوا طائِرُكُمْ مَعَكُمْ
[ يس : 19 ] ، قال بعض أهل اللغة : الطير الاسم من التطيّر ، ومنه قولهم : لا طير إلا طير اللّه ، كما يقال : لا أمر إلا أمر اللّه . وأنشد الأصمعي قال : أنشدنا الأحمر :
ستعلم أنه لا طير إلا * على متطيّر وهو الثبور
بلى شيء يوافق بعض شيء * أحأيينا وباطله كثير
وقال ابن السكيت : يقال طائر اللّه لا طائرك ، ولا يقال طير اللّه . ويروى عن ابن جبير أنه قال : سأل كعب الأحبار عبد اللّه بن عمرو بن العاص فقال له : هل تتطيّر ؟ قال :
نعم ، قال : فكيف تقول إذا تطيّرت ؟ قال : أقول اللهم لا طير إلا طيرك ولا خير إلا خيرك ولا رب غيرك ولا قوّة إلا بك . فقال كعب : أنت أفقه العرب وإنها لكذا في التوراة .
قلت : إنا للّه وإنا إليه راجعون ، قد ترك ما يعلم وأكثر ما تأتي الطوام من قبل العوام وممن لا علم عنده يمرّ الطائر اليوم على الدار فيقول الرجل خير يا طير ، وتزيد المرأة على ذلك أشياء من الكلام الجلف فهلا قالوا : خير يا اللّه ، وأيّ خير أو شرّ عند الطائر ،