قد صنته وحجبته حتى إذا * لم يبق لي سبد ومات الهيثم « * »
أبرزته من خدره مقهورة * واللّه يشهد لي بذاك ويعلم
كشف الزمان قناعه في بلدة * قلّ الصديق بها وعزّ الدرهم
فقلت لها : من أنت ؟ فقالت : أنا المتمناة بنت الهيثم الفزاري . قال : فرجعت من الحج على رحبة مالك بن طوق أريد الغزو وبها أبو كلثوم ، فحدّثته الحديث ثم مضيت إلى طرسوس ، فأقمت بها عامين ، ثم رجعت إلى أبي كلثوم فإذا بصبي يدب ومعه خرقة فيها صرة لا يقدر على جرّها ، فقال أبو كلثوم : هذا ولد المتمناة بنت الهيثم الفزاري ، أنفذت إلى بني فزارة فوجدتها كما وصفت ، فتزوّجتها وولدت لي هذا الصبي ، وهذه هديتها بحق دلالتك عليها ، فأخذت الصرة فإذا فيها مائتا دينار . قولها في الشعر : وعزّ الدرهم ، معناه : قلّ ، تريد : الدرهم الحلال ، واللّه أعلم .
كما قال بعض الحكماء : شيئان ليس في الدنيا أقل منهما ولا يزدادان إلا قلّة :
درهم من حلال تنفقه في وجهه ، وأخ ثقة تسكن إليه .
قصة زواج سعيد ابنته بدرهمين
وأغرب مما تقدّم وأعجب حديث سعيد بن المسيب مع صهره كثير بن المطلب بن أبي وداعة رضي اللّه عنه وعن تلك الجماعة ، قال : كنت أجالس سعيد بن المسيب ففقدني أياما ، فلما جئته قال : أين كنت ؟ قلت : توفيت أهلي فاشتغلت بها ، فقال : ألا أخبرتنا فشهدناها ؟ قال : ثم أردت أن أقوم ، فقال : هل استحدثت أهلا ؟ فقلت :
يرحمك اللّه ومن يزوّجني وما أملك إلا درهمين أو ثلاثة ؟ فقال : أنا ، قلت : وتفعل ؟ قال :
نعم ، ثم تحمد وصلى على النبي صلى اللّه عليه وسلم وزوّجني على درهمين أو قال ثلاثة . قال : فقمت وما أدري ما أصنع من الفرح ، فسرت وجعلت أتفكر ممن آخذ وممن أستدين ، فصليت المغرب وانصرفت إلى منزلي وكنت وحدي صائما ، فقدّمت عشائي أفطر ، وكان خبزا وزيتا ، فإذا بابي يقرع ، فقلت : من هذا ؟ قال : سعيد ، قال :
فأفكرت في كل إنسان اسمه سعيد إلا سعيد بن المسيب فإنه لم ير أربعين سنة إلا بين بيته والمسجد ، فقمت وخرجت فإذا سعيد بن المسيب ، فظننت أنه قد بدا له ، فقلت : يا أبا محمد ألا أرسلت إليّ فأتيتك ؟ قال : لأنت أحقّ أن تؤتى ، فقلت : فما تأمر ؟ قال : إنك كنت رجلا عرّيا فتزوّجت فكرهت أن أبيتك الليلة وحدك ، وهذه امرأتك ، فإذا هي قائمة
هامش
( * ) ما له سبد ولا لبد بالتحريك فيهما ، أي : لا قليل ولا كثير .