أما الميت فمؤمن من أهل الجنة ، وأما الآخر الذي لا يجز المحنة فكافر حتى يجيزها ، وقال قوم آخرون : بل هما كافران حتى يجيزا المحنة . فكثر الاختلاف ، فخرج قطري إلى حدود إصطخر ، فأقام شهرا والقوم في اختلافهم ، ثم أقبل فقال لهم صالح بن محراق : يا قوم ، إنكم قد أقررتم أعين عدوّكم وأطمعتموهم فيكم لما ظهر من اختلافكم فعودوا إلى سلامة القلوب واجتماع الكلمة . وخرج عمرو القنا فنادى : يا أيها المحلّون « 1 » هل لكم في الطراد فقد طال العهد به ثم قال :
ألم تر أنّا مذ ثلاثون ليلة * قريب وأعداء الكتاب على خفض
فتهايج القوم وأسرع بعضهم إلى بعض ، فأبلى يومئذ المغيرة بن المهلب وصار في وسط الأزارقة ، فجعلت الرماح تحطّه وترفعه واعتورت رأسه السيوف ، وعليه ساعد حديد فوضع يده على رأسه فجعلت السيوف لا تعمل فيه شيئا ، واستنقذه فرسان من الأزد بعد أن صرع ، وكان صرعه عبيدة بن هلال وهو يقول :
أنا ابن خير قومه هلال * شيخ على دين أبي بلال
( وذاك ديني آخر الليالي )
فقال رجل للمغيرة : كنا نعجب كيف تصرع والآن نعجب كيف تنجو ! وقال المهلب لبنيه : إن سرحكم لغارّ ولست آمنهم عليه ، أفوكّلتم به أحدا ؟
قالوا : لا ، فلم يستتم الكلام حتى أتاه آت فقال : إن صالح بن مخراق قد أغار على السرح « 2 » ، فشق ذلك على المهلب ، وقال : كلّ أمر لا أليه بنفسي فهو ضائع ، وتذمّر عليهم . فقال له بشر بن المغيرة : أرح نفسك فإن كنت إنما تريد مثلك فو اللّه لا يعدل أحدنا شسع نعلك ، فقال : خذوا عليهم الطريق .
فثار بشر بن المغيرة ومدرك والمفضّل ابنا المهلّب فسبق بشر إلى الطريق ، فإذا
هامش
( 1 ) المحلون : جمع محل وهو الذي ينتهك الحرام .
( 2 ) السرح : بالفتح المال السائم والغار الغافل وهنا بمعنى اسم مفعول أي مغفول عنه .