أمّك خير لك منّي صاحبا * تسقيك محضا « 1 » وتعلّ رائبا
« 2 » وكان المغيرة بن المهلب إذا نظر إلى الرماح قد تشاجرت « 3 » في وجهه نكس قربوس سرجه وحمل من تحتها فبراها بسيفه وأثّر في أصحابها حتى تخرمت الميمنة من أجله ، وكان أشدّ ما تكون الحرب أشدّ ما يكون تبسما ، فكان المهلب يقول : ما شهد معي حر باقط إلّا رأيت البشري في وجهه .
وقال رجل من الخوارج في هذا اليوم :
فإن تك قتلي يوم سلّى تتابعت * فكم غادرت أسيافنا من قماقم
« 4 »
غداة نكرّ المشرفيّة فيهم * بسولاف يوم المأزق المتلاحم
والمأزق هو يوم الحرب ، والمتلاحم نعت له ، والمشرفية السيوف نسب إلى المشارف من أرض الشام ، وهو الموضع الملقب مؤتة الذي قتل به جعفر بن أبي طالب وأصحابه . ( قال الأخفش : كان المبرد لا يهمز موتة ولم أسمعها من علمائنا إلّا بالهمز ) .
كتاب المهلب إلى الحارث
قال أبو العباس : فكتب المهلّب إلى الحرث بن عبد اللّه بن أبي ربيعة القباع : بسم اللّه الرحمن الرحيم ، أما بعد فإنا لقينا الأزارقة المارقة بحدّ وجدّ ، فكانت في الناس جولة ، ثم تاب أهل الحفاظ « 5 » والصبر بنيّات صادقة ، وأبدان شداد ، وسيوف حداد ، فأعقب اللّه خير عاقبة ، وجاوز بالنعمة مقدار الأمل ، فصاروا درئة « 6 » رماحنا وضرائب سيوفنا وقتل اللّه أميرهم ابن الماحوز
هامش
( 1 ) المحض : الخالص من كل شيء .
( 2 ) الراتب : اللبن المخوض من الروب وهو الخلط لأنه يخلط بالماء عند المحض ليخرج زبده .
( 3 ) تشاجرت : اشتبكت من المشاجرة .
( 4 ) القماقم : السيد العظيم .
( 5 ) الحفاظ : الذب عن المحارم .
( 6 ) دريئة : حلقة يعلم الطعن والرمي عليها استعيرت هنا لمن غلب وظهر على خصمه .