وبعد ، فالمعذرة من فهاهة هذه الرسالة التي هي في رياض الأدب باقليّة « 1 » ، والصفح عن طولها وقصر بلاغتها بين يدي تلك المواقف السحبانية « 2 » . وليكن محمولا على متن الحكم كلامها الموضوع ، فقد علم اللّه أنها صدرت من قلب مكسور وفؤاد مصدوع ، وذهن ضعف وليس لكثير « 3 » ضعفه عاصم ولا نافع ، وراحلة فكر أمست وهي عند سيرها إلى غايات المعاني ضالع : [ من الطويل ]
فسيروا على سيري لأني « 4 » ضعيفكم * وراحلتي بين الرواحل ضالع
هذا وكم تولّد للمملوك في طريق الرمل من عقله ، وكم ضاق من قطاع الطريق أنكادا حتى ظن أنه لعدم النصرة ليس له إلى الاجتماع وصله ، وكلما زعق عليه غراب تألّم لسهام البين وفقد مصر التي هي نعم الكنانة ، وأنشد وقد تحيّر في الرمل لفراق ذلك التخت الذي أعزّ اللّه سلطانه : [ من الرجز ]
من زعقة الغراب بعد الملتقى * فارقت مصرا وبها أحبابي
وفي طريق الرمل صرت حائرا * مروّعا من زعقة الغراب
واستقبل المملوك بعد ذلك بلاد الشام فبئس الحال وبئس الاستقبال ، فو الرحمن « 5 » ما وصل بها إلى مكان إلا وجده قد وقعت فيه الواقعة واشتد القتال ، وحصدوا سبل الرشاد فدرست فلا أعيد لمعيد حربهم دروس ، وأداروا رحاء الحرب بقلوب كالأحجار فطحنت عند ذلك الرؤوس : [ من البسيط ]
من كل عاد كعاد في تجبّره * من فوق ذات عماد شادها إرم
لا يجمعون على غير الحرام إذا * تجمعوا كحباب الراح وانتظموا
وانتهت الغاية بالمملوك إلى أنه شلّح بقرب الكسوة في الشتاء ، وانتظرت ملك الموت وقد أمست : [ من الكامل ]
لي مهجة في « النازعات » وعبرة * في « المرسلات » وفكرة في « هل أتى »
هامش
( 1 ) نسبة إلى بأقل الإيادي ، جاهلي ضربت العرب به المثل في العيّ والبلاهة .
( 2 ) نسبة إلى سحبان وائل ، الذي ضربت العرب به المثل في الخطابة والفصاحة . أنظر :EI , VIII 2 , 830( 3 ) لكثير : ها : لكثرة .
( 4 ) لأني : ها : فإني .
( 5 ) فو الرحمن : نب : فو اللّه .