شيّد قواعد البيوت الغرامية وثبّت أوتادها بأسباب ، وأنسانا مصارع العشاق لما أرانا منازل الأحباب : [ من الكامل ]
وغدا يقول لنا لسان يراعه * مترنّما والقول قول طيّب
يا من بديوان الصبابة لم يجد * وردا لورّاد المعاني يعذب
ما في الصبابة « 1 » منهل مستعذب * إلّا ولي فيه الألذّ الأطيب
ذكر مقدمة العشق فرأينا نتيجة لم تنس بهذه التذكرة ، وأرانا مدهشا صار لأهل الغرام تبصره ، وشرع في شرح أسباب الهوى فأخّرنا ديوان الصبابة عن هذه المقدّمة « 2 » ، وأنشدت عصابة العشاق وهي لهذا الشرح مترنّمة : [ من الكامل ]
لا تخف ما فعلت بك الأشواق * واشرح هواك فكلنا عشّاق
وأورد في وصف الجمال محاسن لو سمعتها بثينة لم تلتفت « 3 » إلى جميل ، وأوصل الشمل بمقاطيع لو أدركها ابن سناء الملك رجع عن مقطعات النيل ، فلو لحقه القشيري قنع من خاص المحبة بهذه اللبابة ، أو ابن الخطيب نسي آلة التعريف ولم يحسن خطابه ، وابن أبي حجلة رجع عن منطق الطير بفصاحة هذا الساجع ، ورجع ابن نباته عن سجع المطوّق والصفدي عن ألحان السواجع ، وليس لابن أبي حجلة وبلديّه ابن العفيف هذا العقد ونظمه المستجاد ، ولو عاصراه وناظراه قلت مضمّنا قول من أجاد : [ من المنسرح ]
أيقظت أهل الغرام فانتبهوا * واجتمعت بالسّهاد أجفان
فنم خليا وقل كذا وكذا * من كل من أطلعت تلمسان
أدار سلافة الأدب في هذا العصر وأنشأ ، وكنت أول من اعترف بلطف مزاجه لأني صاحب قهوة الإنشاء ، ونثر مع نظمه فطربت لسجعه على زهر المنثور ، ونظم مع نثره فحرمت سماع نظم الحليّ في قلائد النحور . ولقد تطفّلنا على هذه الموائد ، ولكن لزم كل منا أدبه ، وزاد هذا المصنف في الرقة فقالت قصبات الأقلام : « واللّه لم يقم معه لسوق الرقيق قصبه » ، ووصلت إلى لغز موصوله الذي شبّب الزمان بأوصافه المطربة ، فأنشدت وقد طبت بأنفاسه الطيبة : [ من السريع ]
هامش
( 1 ) الصبابة : ها ، قا : المناهل .
( 2 ) المقدمة : قا : التقدمة .
( 3 ) تلتفت : تو : تلفت .