لو أن أغصانا جميعا ألسن * تثني عليك لما قضينا الواجبا
ونشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له شهادة لإيضاح بدرها في سماء القبول - إن شاء اللّه - تكمّله ، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله أفضل رسول أنشأ لأمّته الخيرات فصدّقت ترسّله ، صلى اللّه عليه وعلى آله وصحبه صلاة تجعل بيت من أخلص بها مزهرا في حدائق الرحمة ، وتطلع بدره في منازل الشرف وتزيل به كل ظلمه ، وسلم تسليما كثيرا « 1 » .
أما بعد ، فقد تقدم وتقرر أن دوح بني مزهر ما برحت غياض الشام به قديما مزهره ، وأغصان أقلام الإنشاء ما زالت مفكّهة بكلامه الغض ومثمرة . وكم اهتزت تلك الأغصان بسجعهم المرقص بين الأوراق ، وهامت الورق بمطرب هذا السجع فانجذبت إليه بالأطواق . وفتح بني الشهيد « 2 » كان صاحب السيرة ولكن سدّ الفتح في أيامهم بابه ، وتحقق أن البين قص جناحه وأطار عليه غرابه . وها فرع ذلك الدوح قد امتدّ إلى أيامنا الشريفة وأزهر ، وشرب عندنا من عين يشرب بها المقربون فأثمر ، وخطبته رياض الشام لنفسها لشغفها القديم المتزايد ، وبذلت له الخلخال وقالت : « زهر لوزي لهذه الخطبة عاقد » . فراودته مصر التي هو في بيتها عن نفسه وقالت له : « أنا ذات الأقراط التي لم تحتج في سموّها على الخلخال إلى شاهد » ، هذا وفي النيل المؤيدي والنيل المبارك ما يغنيك عن الزائد : [ من الطويل ]
ومن ورد البحر استقل السواقيا « 3 »
وكلّ سحاب لا أخصّ الغواديا « 4 »
وزاد تغاير المصريين على نور طلعته البدرية ، فأردنا أن نجمع بإنشائه بين الفواكه الشامية والحلاوة القاهرية . وإنه المنشئ الذي ينفث سحر بلاغته من أقلام البلغاء في العقد ، ويعوّذه كلّ بليغ
وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ
« 5 » ، وهو الأمين الذي ليس لغصن قلمه إلى جهة الباطل ميل ، وإذا كتب ورمل قلنا : « ما أبهج شفق الصبح في أثر الليل » .
هامش
( 1 ) تسليما كثيرا : ساقط من قا ، ها .
( 2 ) كذا في جميع الأصول .
( 3 ) عجز بيت للمتنبي من قصيدة مشهورة في مديح كافور الإخشيدي . أنظر : « شرح ديوان المتنبي » للبرقوقي ج 4 ص 423 .
( 4 ) عجز بيت آخر من نفس القصيدة ، أنظر نفس المصدر ج 4 ص 426 .
( 5 ) سورة الفلق 113 / 3 ، 5 .