فكم معدني ، صار مع دني ، لأن قبور حمولهم « 1 » بعثرت ، وتلا لسان الكسب « 2 » على السمور وغيره من أصناف الوبر ، وإذا الوحوش حشرت ، وانقادت بساركهم « 3 » إلينا وبدور مواطئها « 4 » في بروج « 5 » تلك الجبال قد أشرقت ، والناظر يتلو متعجبا :
أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ
« 6 » ، وكانت نار حرب القوم على المقر الإبراهيمي بردا وسلاما ، فإنه رفع قواعد بيته في ذلك اليوم ، وعلمنا أن اللّه قد جعل لإبراهيم في هذا البيت الشريف مقاما ، ورقاه في عمر الأبدار « 7 » إلى بروج الكمال فأبدر فيها وسرى ، وظهر بحمد اللّه فلا يخفى على أحد إلا على أكمه لا يعرف القمراء . وإن كان شبلا فهو في المخبر كأسده ، ومصارع ليوث الحرب قد جعلها اللّه من صغر تحت يده ، ورفع له هذا المبدأ وسيّره في الآفاق خبرا ، وعلم الأعداء أن دمعهم « 8 » يجري عند لقائه دما وكذا بالأمس جرى . وهذه المقابلة تليق بابن الغادر على فتح سريرته وغدره ، فإنه أخرج أهل تلك البلاد من أرضهم بظلمه لا بسحره . وسألنا قبل ذلك في ولده وقد كره العود إليه وألف أبوابنا « 9 » الشريفة وتوطّن ، فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن ، فخالف نصّ الكتاب ومشى في ظلم « 10 » الطغيان ، ولم يعمل بقوله تعالى :
هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ
« 11 » . فقابلته سطوتنا الشريفة على قوله وفعله ، وحاق المكر السيئ منه بأهله .
وحلّ ركابنا الشريف بالأبلستين ، في العشرين من ربيع الآخر فجمعنا بحصنها الزاهر بين ربيعين ، وأتممناها بعشر الإقامة لاستيفاء ما لنا في ذمة جيرانها من الدين .
فرحّبت بنا وبسطت بساط أنسها الأخضر وقالت : « على الرأس والعين » .
هامش
( 1 ) حمولهم : تو ، ها ، قا : خمولهم .
( 2 ) الكسب : ها : الكتب ؛ طب : الحال .
( 3 ) بساركهم : طب : تشاركهم ؛ قا : مشاركهم ؛ ق : بساريهم .
( 4 ) مواطئها : تو ، ها : مطاويها .
( 5 ) بروج : طب : بدور .
( 6 ) سورة الغاشية 88 / 17 .
( 7 ) الأبدار : ها : انذار ؛ طب : الاندراج .
( 8 ) دمعهم : قا : دمهم .
( 9 ) أبوابنا : تو ، ق ، ها : أبوّتنا .
( 10 ) ظلم : ق ، تو ، ها : ظلمة .
( 11 ) سورة الرحمن 55 / 60 .