وقال الراوي حسان : معدن الظرافة والإحسان ؛ فتوجه الحكيم حسيب الأديب الأريب إلى إيراد الأخبار عن الهداة الأخيار .
[ 9 ]
[ شهريار وأولاده الستة : ]
فحكى أن ملكا ؛ من ملوك الأمصار وسلاطين العجم يدعى شهريار ، كان من العجم وكان في الجود واللطف والكرم أمة من الأمم ، ملكه عظيم ، وفضله جسيم ، ولايته في أحسن إقليم ، حسن السياسة وافر الكياسة ، ثناؤه عاطر وعطاؤه ماطر ، ووابل الحشمة من سحائب هيبته قاطر ، وله في الأولاد وفلذ الأكباد ستة رجال إلى المجد والكرم عجال « 1 » ، وكل له في الفضل والأفضال أوسع مجال ، مشهور بالزعامة مخبور بالشهامة ، كفّه سخى ، وكنفه أريحى « 2 » ، ذو شجاعة باسلة ، وبراعة كاملة ، وحشمة وافرة ، وهيبة زاجرة « 3 » ، وهمة أبحرها بالمكارم زاخرة ، مع رفق ولين للصعلوك المسكين ، وصلابة في الدين ، وكان الأكبر سنا منهم ، متميزا في هذه الشّيم عنهم ، وأعطر طيبا ، وأوفر نصيبا ، فكأنه في شأنه قيل :
هذا الّذى دانت الدّنيا لطلعته * والدين والملك والأيّام والأمم
فلما دنت شمس عمر أبيهم للأفول ، وقارب غصن عيشه الذبول « 4 » ، وعزم فراش الأجل على طي بساط حياته ، وأورد بريد الفناء منشور تسليمه إلى متولى وفاته ؛ أحضر بنيه وأكابر ذويه ، وقال : اعلموا يا بنىّ إني استوفيت نصيبي من الدّنيا ؛ وارتقيت من لذاتها إلى الدرجة العليا ، وذقت حلوها ومرها ، وعاينت حرها وقرها « 5 » ، وعرفت خيرها وشرها ، ومع ارتقائى فيها إلى المنازل الفاخرة عملت بمقتضى
وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ
[ القصص : 77 ] .
هامش
( 1 ) العجال ، مفردها عجلة : السرعة . والمعنى أنهم يسارعون إلى المجد والكرم .
( 2 ) أي زكى الجانب .
( 3 ) مانعة .
( 4 ) شرف على الموت .
( 5 ) القر : البرد الشديد .