القلق والأرق رقاده ، وعلم المسلمون أنه خان وأنه لا طاقة لهم بالتتار ، فخافوا حلول البوار ونزول الدمار ، وتيقنوا خراب الديار ، لأن السلطان عاجز ولا بدّ من قدوم بلاء ناجز .
وقالوا : إذا كان هذا الخور من شرذمة قليلة من التتر في طرف من أطراف بلاده ، لا فيهم أحد معتبر من أجناده ، ولا رئيس يشار إليه من أولاده ، ولا درى ولا علم بما جرى ، فكيف إذا دهم بطامته الكبرى وأحشاد جيوشه العظمى فترك خوارزمشاه ببخارى عشرين ألف مقاتل ، وفي سمرقند خمسين ألف مناضل ، وقرر معهم أنه سيجمع الجنود ويستجيش أبطال المسلمين ويعود ، وتوجه بثبات عزم وإضاعة حزم إلى سرير ملكه خوارزم ، ثم انتقل إلى خراسان وخيم بضواحى بلخ في مكان ، وأقام رخى البال كأن الشئ ما كان ، ثم لا زال يضمحل ويذوب ويحل به ما يحله من نوائب الخطوب ، حتى انتقل إلى جوار الرحمن في أطراف طبرستان « 1 » ، وفي سنة سبع عشرة وستمائة وكانت ولايته في العشرين من شوال سنة ست وتسعين وخمسمائة .
وكان ملكا عظيما وسلطانا جسيما ذا صولة قاهرة ودولة باهرة ، وجولة أرقدت الملوك بالساهرة ، فاضلا فقيها عالما نبيها ، اضمحل بأدنى حركة ملكه ، وغرق في بحر الفناء بعد الطغيان فلكه ، وركن إلى الخطا فوقع فيه ، وخانته عساكره ومخالوه « 2 » ودود الخل منه وفيه ، وكان في خزائنه عشرة آلاف ألف دينار ، ومن أجناس الأقمشة والأمتعة والأسلحة ما لا يحصيه إلا الواحد القهار ، وكان فيها ألف حمل من القماش الأطلس « 3 » ،
هامش
( 1 ) طبرستان : بلاد واسعة كثيرة المياه ومتهدلة الأشجار كثيرة الفواكه . معجم البلدان ( 7849 ) .
( 2 ) أصدقائه وأقاربه .
( 3 ) الأطلس : ثوب من الحرير منسوج .