ومع هذا كله فالملك والرعية أمانة ومن تقلد ذلك فقد أوجب على نفسه ضمانه ، فليتجنب خيانته ولا يشين بها أمانته ، قال صفوة الله تعالى ، وخيرته من بريته : « كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته » « 1 » . ومصداقه قول رب العالمين وملك الملوك والسلاطين ، وهو أصدق القائلين
إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا
[ الأحزاب : 72 ] .
فاعلم يا ملكا أعطى الزمان أمانه ؛ أن هذا الملك الذي بيدك هو من جملة الأمانة ، التي أشفق السماوات والأرض والجبال وأبين أن يحملنها خوفا من النكال والوبال ، وخشية أن لا يفين بحقوق حملها ، أو يضعنها في غير محلها فيعاقبن ، أو بالعتاب يخاطبن فتعففن عن الرغبة في الثواب ، خوفا من العتاب والعقاب ، وعملن بموجب ما قيل :
هجرتك لا قلى منّى ولكن * رأيت بقاء ودّك في الصدود « 2 »
كهجر الحائمات الورد لمّا * رأت أنّ المنية في الورود
تفيض نفوسها ظمأ وتخشى * حماما فهي تنظر من بعيد
تصدّ بوجه ذي البغضاء عنه * وترمقه بألحاظ الودود
ثم حمل هذه الأمانة بنو آدم لما قدره وقضاه العلى الأعظم في سابق القدم ، ولما فيها من أحكام وحكم ، وأن الصادق المصدوق أخبر ، فيما روى عنه أبو ذر قال : قلت يا رسول الله ألا تستعملني قال : فضرب بيده على منكبي ثم قال : « يا أبا ذر إنك ضعيف وإنها أمانة ، وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها » « 3 » . فمن جملتها الصلاة ، والصوم والزكاة ، والوضوء والاغتسال ، ومراقبة ذي الجلال في السر والإعلان ، بقدر الطاقة والإمكان ، وعلى هذا جميع الطاعات وأنواع
هامش
( 1 ) جزء من حديث أخرجه البخاري : كتاب النكاح ، باب « قوا أنفسكم وأهليكم نارا » .
( 5188 ) من طريق عبد الله بن عمر رضى اللّه عنه .
( 2 ) قلى : بغض . الصدود : مفرد الصد : وهو الافتراق والهجر .
( 3 ) الحديث أخرجه الإمام مسلم : كتاب الإمارة ، باب كراهية الإمارة بغير ضرورة ( 1825 ) من طريق أبي ذر رضى اللّه عنه .