وهو غراب البين في شؤمه * لكن إذا جئنا إلى الحقّ زاغ
ولم يكن بيننا وبينه قط علاقة ، ولا واسطة محبة ولا صداقة ، وأما العداوة فإنها مستحكمة ، وكل منا للآخر مأكلة ومطعمه ، ولا أشك أنه إنما قصد طريقة سوء ومكيدة نكد ، فإن أضعت فيه الفرصة أطلت الغصة ، ووقعت من الندامة في قصة وحصة ، ولا يفيدنى إذ ذاك الندم أنى وقد فات المطلوب وزلت القدم ، وأحزم الحزم سوء الظن بالناس ، فالذي يقتضيه الحزم والرأي السديد والعزم القبض عليه إلى أن يظهر ما لديه .
ثم وثب من مريضه ، وأنشب في الزاغ مخاليب مقبضه ، وقبضه قبضة أعمى لا كالقابض على الما ، فلما رأى الزاغ هذا النكد ، وأنه قد صار كالفريسة في مخاليب الأسد ، ناداه يا كريم الخير ، ويا أيها الجار الحليم عن الضير ، أنا رغبت في مصادقتك ، وجئتك محبا في موافقتك ومرافقتك ، وأردت إزالة وحشتك ومؤانستك ، بإبعاد دهشتك ، وحاشاك أن تخيب ظني فيك ، وتعامل بالجفاء من يوافيك وأنشده :
وحاشاك أن تمشى بوجهك معرضا * وما يحسن الإعراض عن وجهك الحسن
والكرام لا يعاملون الجلساء إلا بالمؤانسة وحسن الوفاء ، والإبقاء على الخير والعبد من الضير ، وأنا قد صرت جليسك وجارك وأنيسك وقد قيل :
وكنت جليس قعقاع بن شور * ولا يشقى لقعقاع جليس
مع أنه لم يسبق منى سبب عداوة ، ولا ما يوجب هذه الفظاظة والقساوة ، وهذه أول نظرة فما موجب هذه البدرة ، وما سبب هذه النفرة .
قال النمس : أيها الزاغ الكثير الرواغ وأنحس باغ ، وأنجس طاغ ، اسمك ناطق أنك منافق وهو خبر صادق ، إذ هو في الخارج للواقع مطابق ، ورؤيتك شاهدة أنك تنقض المعاهدة ، وعين منظرك دل على مخبرك ، وقد قيل :