حندسها « 1 » الفطن الأريب ، وقد بادت الفكر وعجزت القوى والقدر ، وحارت عقول البشر ، دون إدراك ما يبرزه كل وقت من الصور ، من وراء ستر الغيب مستعدا للقضاء والقدر ، ولم يعهد من الدهر الخؤن والزمان المجون ، إذا استقام أو قزل « 2 » ، أو جد أو هزل ، أو أمر بنازل فنزل ، أو ولى أو عزل ، أو أقبل أو اعتزل ، أو نقض أو غزل ، أن يرسل قبل ذلك منذرا أو مبصرا أو محذرا ، ليستيقظ النائم أو ينهض الجاثم ، أو يتحرك القائم ؛ وإنما يحطم بغتة ويهجم في سكتة ، ويأخذ على بهتة فلا يفلت منه فلتة ، ولا يمهل إلى لحظة ولا لفتة وقد قيل :
يا راقد اللّيل مسرورا بأوّله * إنّ الحوادث قد يطرقن أسحارا
لا تركننّ لليل طاب أوّله * فربّ آخر ليل أوقد النّارا
وعلى هذا لو وقع منا غفلة أو ذهول ، عند قدوم هذا الجيش المهول ، فاختر والعياذ بالله واحد منا ، ونحن أحسن ما نكون سكونا وأمنا ، فكيف ترين يبقى حال الآخر وهل يصير إلا كما قال الشاعر :
ما حال من كان له واحد * يؤخذ منه ذلك الواحد
وإذا بقي أحدنا منفردا وانعزل متوحدا ، ما ذا يفيده الوطن والجيران والسكن ، وهل تفي لذة وصال ألفي سنة بألم فراق تلك الساعة الخشنة كما قيل :
إن كان فراقنا على التّحقيق * فذى كبدي أحقّ بالتمزيق
لو دام لنا الوصال ألفي سنة * ما كان يفي بساعة التفريق
وقال أيضا :
لا كان في الدهر لا أراك به * ولا بدت فيه شمس ولا قمر
هامش
( 1 ) الحندس : الليل الشديد الظلمة .
( 2 ) القزل : العرج .