[ 56 ]
[ أنوشروان والحمار : ]
فقال الريم : بلغنا أيها الكريم أن أنوشروان بالغ في نشر العدل والإحسان ، ومعاملة الرعية كبيرا وصغيرا بالسوية ، وبذل في ذلك جهده واستنهض لمساعدته وكده وكده « 1 » ، واختشى أن يمنع المتظلم الفقير الأبواب بسبب حاجب أو كبير لغرض أو عرض ، أو ارتشاء من في قلبه مرض .
فيمشى مدلس البراطيل « 2 » من خوف الأباطيل ، ويضيع بحث صارخ الحق في أوقات التعطيل ، فأداه قائد اجتهاده وانتهى به رائد مراده ، إلى أن يعقد في طاق مبيته ، ومجتمع خاطره عن تشتيته ، من محاذى السرير حبل من الحرير ، ويربط طرفه الأدنى في حلقة الباب حيث لا حاجب ولا بواب ، وهو مكان مجتمع الجمهور ، ولا يمنع أحد فيه من الوقوف والمرور ، وأن يشد فيه أجراس من خالص الذهب لا النحاس ؛ بحيث إنه إذا حرك الحبل صوتت الأجراس صوتا أخرس الطبل ، ثم أمر مناديا أن يرفع صوتا عاليا :
بأن من كان شاكيا فعليه بتحريك ذلك الحبل ليقع الظالم في الكبل « 3 » أو ينتصر المظلوم من بعد ومن قبل . فاشتهرت هذه العادة ، ونال بها في الدنيا السعادة ، وعظم صيته ، وخمدت عفاريته ، وانتصفت صفاريته « 4 » ، ففي الظهائر عند قائلة الهواجر « 5 » وأنوشروان في مبيته قد طاب اضطربت الحبل والأجراس أشد اضطراب ، ففر أنوشروان مذعورا وتصور المحرّك مظلوما مقهورا ، فابتدر بطلبه لينظر في ظلمه وسببه فتبادروا إلى إحضاره واستكشاف أخباره ، وإذا هو حمار جرب جنب ، جسمه من الجرب خرب ، ومتن ظهره من الحكة نقب ، وقد هد عمارة عمره هادم الهرم ، وألهب حشيش حشاشته من
هامش
( 1 ) وكده وكده : قصد قصده .
( 2 ) صاحب الرشوة .
( 3 ) القيد .
( 4 ) الصفاريت ، مفردها الصفريت والفقير .
( 5 ) الهواجر ، مفردها الهاجر : نصف النهار في القيظ أو من عند زوال الشمس إلى العصر ؛ لأن الناس يستكنون في بيوتهم كأنهم قد تهاجروا .