فتقدم خزز « 1 » من بين تلك البزز « 2 » ؛ يدعى رئيس الأرانب محبب إلى الأقارب والأجانب ، وهو مشهور بالحصافة ، موصوف بالذكاء والظرافة ، والمعرفة التامة والتجربة المفيدة العامة ، بعيد الفكرة في العواقب ، سديد الرأي حازم مراقب .
وقال : يا معشر الأصحاب وأولى الأبصار والألباب ، كيف خفى عليكم ولم يتضح لديكم عاقبة هذه الأمور ، وما فيها من عكوس وشرور ، وهل يصلح للرئاسة وإقامة السلطنة والسياسة أهل النذالة والخساسة المتصف بالقذارة والنجاسة ، أو ما علمتم أن من أفحش السباب الشتم بأخس من الكلاب ، أو ما سمعتم في كلام مالك : أزمة القلب في حق من عامله بالسلخ والسلب فمثله كمثل الكلب . أو ما قال صاحب الشرع في حق ما ولغ فيه الكلب بالسبع ، ثم التعفير بالتراب ، وهو مذهب كثير من الأصحاب ، وأن لا يطهر بالدباغة منه الإهاب « 3 » ، لا أصلى تقى ، ولا وصف نقى ، ولا نسب طاهر ، ولا حسب ظاهر ، ولا وجه زاهر ، ولا شكل باهر ، فإن كنتم نائمين انتبهوا ، وأعرضوا عما قصدتم إليه وانتهوا ، فلعن الله زمانا صار فيه التيس وزيرا ، والكلب سلطانا ، ولقد أرشد من أنشد :
لقد جار صرف الدّهر في كل جانب * من الأرض واستولت علينا الأراذل
هل المسخ إلا أن ترى العرف منكرا * أو الخسف إلا حين تعلو الأسافل
فتصدى الهديل للجواب ، وقال : لا شك ولا ارتياب أن المستحق للسلطنة الإمام العادل والشخص الكامل الفاضل ، ولا يقدح في هذا الفضل دناءة الأصل ، فقد قال القيوم الحي
تُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ
[ آل عمران : 27 ] وكل من اتصف بالهمة العلية ، والأوصاف السنية ،
هامش
( 1 ) الخزز : ذكر الأرانب .
( 2 ) الجمع .
( 3 ) الجلد الذي لم يدبغ .