والتنظير والاستدلال بالقليل على الكثير ، فيتفكه السامع تارة ويتفكر أخرى ، ويتنقل في ذلك من الأخفى إلى الأجلى ، ويتوصل بالتأمل في معانيه من الأدنى إلى الأعلى .
ومن جملة ما صنف في ذلك ، واشتهر فيما هنالك وفاق على نظائره بمخبره ومنظره ، وحاز فنون الفطنة : ( كليلة ودمنة ) . والمتمثل بحكمة الطباع .
كتاب : ( سلوان المطاع ) . والمفحم بنظمه العجيب كل شاعر وأديب ؛ معجز الضراغم « 1 » الصادح « 2 » والباغم « 3 » ، وفي غير لسان العرب ممن يتعاطى فن الأدب جماعة رضعوا أفاويقه ، وسلكوا من هذا النمط طريقه ، لكن تقادم عصرهم ، واشتهر أمرهم ، وتكرر ذكرهم ، وصارت مصنفاتهم مطروقة وعتاق نجائبها « 4 » في ميدان التأمل عتيقة ؛ ففلذت من دهري فلذة ، وعملت بموجب لكل جديد لذة ، وسيرت فارس الأفكار في ميدان هذا المضمار ، وقصدت من الفائدة ما قصدوه ، ومن العائدة في الدارين ما رصدوه ، وجمعت ما بلغني عن نقلة الأخبار وحملة الآثار ورواة الأسفار ، على لسان شيخ اللطائف ومنبع المعارف ، وإمام الطوائف ومجمع العوارف ذي الفضل والإحسان أبى المحاسن حسان .
ووضعت هذا الكتاب نزهة لبنى الآداب ، وعمدة لأولى الألباب من الملوك والنواب والأمراء والحجاب ، وجعلته عشرة أبواب ، ومن الله أستمد الصواب وأستغفره من الخطأ في الجواب ، إنه رحيم تواب كريم وهاب .
وسميته : ( فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء ) .
هامش
( 1 ) الضراغم : مفردها ، ضرغام ، وهي من صفات الأسد الدالة على الشجاعة والفحولة
( 2 ) الصادح : رفع الصوت .
( 3 ) الباغم : ترخيم الصوت .
( 4 ) عتاق نجائبها : أي الفاضل النفيس في نوعه .