تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء — صفحة 289

مساهمون:

ص٢٨٩
فلما سمع البلشون « 1 » هذا المجون ، أغراه الطمع فما ابتلع فسها ولها ، ثم قال لها : أعيدنى هذه الرمزة ، فبمجرد ما فتح فاه بالهمزة أنملصت السمكة منه بجمزة « 2 » ، وغاصت في الماء وتخلصت من بين فكى البلاء ، ولم يحصّل ذلك الطّمّاع إلا قطع الأطماع . وإنما أوردت يا ذا الدراية هذه الحكاية ؛ لتتأمل عقبى هذا الأمر قبل الشروع فيه ، وتتدبر منتهى أواخره في مباديه فقد قيل : أول الفكر آخر العمل . قال المشرقي : اعلم يا مرتقى إن مبنى الأمور في مجاريها ، وقواعد ما أسس عليه مبانيها تقدير خالقها وتدبير باريها ، وما حكمه وقضاه وأحكمه وأمضاه ، لكنه كتمه وأخفاه فلا تدركه العيون والأبصار بل ولا البصائر والأفكار ، فإنه علم غيب وجهلنا به ليس بعيب ، لأنه تنزه أحدا صمدا قال تعالى
عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً
[ الجن : 26 ] . كما قيل :
على المرء أن يسعى ويبذل جهده * وليس عليه أن يساعده الدهر
فإن نال بالسعي المنى تم أمره * وإن غلب المقدور كان له عذر
وإن الله العلى الأعظم قد وضع أساس بنيان العالم على الأسباب ، وفتح لتعاطى الأسباب الأبواب فقال ذو الجلال
وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا
[ العنكبوت : 69 ] . وقال
فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ
[ الملك : 15 ] . وقال القائل :
إذا ما كنت في أمر مروم * فلا تقنع بما دون النجوم
يرى الجبناء أن العجز حزم * وتلك خديعة الطبع اللئيم
فطعم الموت في شيء حقير * كطعم الموت في شيء عظيم
هامش
( 1 ) البلشون : طائر طويل العنق والجناحين والساقين يعرف بمالك الحزين وهو يقعد بقرب المياه فإذا نشفت ظهر كئيبا . ( 2 ) أي بحركة سريعة إلى الوراء .
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء — صفحة 289 | شهاب الدين أحمد بن محمد الدمشقي (ابن عربشاه) / إيمن عبد الجبار البحيري