عن مقاومته في الحكومة والخصومة ، فعليه بهدم ذلك الجبل بمغناطيس الخداع ومعاويل الحيل ، ويستعين في ذلك بأهل النجدة وذوى البطش الشديد والشدة ، فيتوصل بهم إلى حسم ذلك الداء ولو كانوا أعداء غير أودّاء ، فتسليط بعض الأعداء على بعض من أيمن سنّة بل من أحسن فرض ، ولقد أحسن من قال :
تفرقت غنمي يوما فقلت لها * يا ربّ سلط عليها الذئب والضبعا
ولا يوجد في هذا الباب لجمع شمل الأعداء أوثق من تفريق الأحباب ومصداقه قوله تعالى
لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا
[ التوبة : 47 ] .
وما قويت أعضاد الإسلام إلا باجتماع كلمة الأنصار والالتئام ؛ ولهذا قصد من نافقوا لما ترافق الأنصار وتوافقوا أن يتشاققوا ويتفارقوا ، فأنزل عليهم
وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا
[ آل عمران : 103 ] .
وهذا الفن يحتاج إلى فكر عميق ، ومكر دقيق ، وعقل كبير ، وفعل كثير ، ومصيب رأى وتدبير ، وسلوك في طريق اصطناع ، كما فعلت الفأرة من الخداع . فقال الوزير : ينعم مولانا الباقعة « 1 » بتحقيق هذه الواقعة .
[ 28 ]
[ خداع الفأرة : ]
فقال : سمعت أن بعض التجار كان له بستان في دار ، وإلى جانبه حاصل « 2 » فيه المغل المتواصل « 3 » ، وفي ذلك الحاصل وكر لشاطر « 4 » من شطار الفار ، له عدة منافذ وإلى الجهات طرق ومآخذ ، أحدها إلى جهة البستان ، والبستان كأنه جنة رضوان . فكانت الفأرة ذات الشطارة والمهارة تأخذ من الغلات وأطائب الطعامات ما يكفيها غداء وعشاء صيفا وشتاء ،
هامش
( 1 ) الداهية شديد الذكاء .
( 2 ) الجى به مجتمع من الناس .
( 3 ) المغل المتواصل : جيل بعد جيل .
( 4 ) لص قاطع طريق .