وإنما أوردت ما جرى ؛ لتعلموا أيها الوزراء ، أن التفخيذ بين الأعداء بالتأخيذ أمر من السهام في تنفيذ الأحكام وإحكام التنفيذ ، وهذا قبيل تعاطى أسباب البيلسة « 1 » ، وفتح أبواب الوسوسة ، فإنه يقال في الأمثال : عقدة تنحل باللسان لا يؤخر حلها إلى الأسنان . ونعم ما أرشد من أنشد :
فكم عقدة أغنى اللسان بحلها * تراخت وقد أعيت نواجذ أسنان « 2 »
ثم قال العفريت للوزير الرابع : ما ترى في هذا الأمر الواقع ؟
فقال : حيث تردد الأمر بين آراء مختلفة وأقوال متفاوتة غير مؤتلفة ، وأقيم على كل قتيل برهان ودليل ، فتعدد النقل وتبلد العقل ، وعميت وجوه الترجيح ودرست طرق التصحيح ، فلا يمكن القول بأحدها ولا الميل إلى مفردها ؛ فإن ذلك ترجيح بلا مرجح وتصحيح بلا مصحح ، فربما يتصور الشئ خيرا وتكون عقباه شرا ، ويتوهم شرا فتظهر قصاراه خيرا ، وقد قال منزل الفرقان على أشرف جنس الإنسان
وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ
[ البقرة : 216 ] . وكم من قضية يتصوّرها الفكر صوابا ويذهل عما تتضمنه من خطا مآبا ، وكذلك النفس تتصور شيئا بصفة وهو بالعكس ، ولذلك شاهد من وقائع الحس فليس على ذلك معوّل وشاهده قضية المضيف مع ولده الأحول . فقال العفريت : وكيف ذلك أيها الخريت « 3 » ؟ .
[ 26 ]
[ قضية المضيف مع ولده الأحول : ]
قال الوزير : أخبرني شخص فاضل أنه كان رجل كامل ، كريم الشمائل محبوب الخصائل ، مرغوب الفضائل ، غزير الثراء يحب الفقراء ، عذب الموارد مترصد للصادر والوارد ، لا يسأل الضيف من أين ولا كيف ، وهو كما قيل للضيف والسيف ، ورحلة الرجال في الشتاء والصيف . فنزل في بعض الأيام ضيف من أصحابه الكرام فزاد في إكرامه وأحضر ما طاب من طعامه .
هامش
( 1 ) الفتن والشر .
( 2 ) نواجذ الأسنان : القوية منها .
( 3 ) الدليل الماهر العارف .