فإذا رآهم الناس وقع بينهم الباس ، وحصل لهم منهم اليأس ، وتراجعوا عنهم وهربوا ، منهم وفسد اعتقادهم فيهم بل قتلوهم بأيديهم ؛ فإذا ظهر فسوقهم وكسد سوقهم فإن شئنا أوقفنا حالهم وإن رمنا إلى الهلاك نسوقهم ، وأوثق ما يتصل به إليهم من الأسباب هي حالة الانفراد والإعجاب ، وحالة الاجتماع للكذاب ؛ فإن الإعجاب يهوى في النار والكذب يخرب الديار .
وناهيك قضية التاجر مع عبده الكذاب الفاجر فسأله شيخ الجن عن بلية ذلك القنّ « 1 » .
[ 24 ]
[ قصة التاجر مع عبده الكذاب : ]
فقال : ورد في الخبر عن شخص معتبر قال : كان بمكان تاجر ذو مال وزوجة ذات جمال ؛ كلّ يهوى صاحبه ويرعى جانبه ، ويفديه بروحه ، ويترشف رضابه « 2 » في غبوقه وصبوحه « 3 » ؛ كأنهما زوج حمام وفي بذمام . ففي بعض الأيام قال أحدهما لرفيقه ؛ وهو يرشف من كأس عقيقه شهد رضابه بخمرة ريقه : لو كان لنا عبيد يتعاطى ما لنا من حاجة ويخلصنا من جميلة عمرو وزيد ؛ فذهب التاجر إلى سوق الرقيق فوجد مع النخاس عبدا ذا قد رشيق ، ينادى عليه أبيعه بكذا على ما فيه من أذى ، فقال : وما عيبه ؟ قال : كذبه لا على الدوام ؛ وإنما هو مرة في كل عام ، فقال : عيب هين ، وشين « 4 » لين . فاشتراه وأتى به إلى داره وارتضاه ، فاستمر في خدمة حسنة حتى أتى عليه سنة ، ونسي سيده عيبه وأمن ريبه وجرب بالأمانة يده وبالطهارة جيبه .
فلما مضى عليه عام ، كان سيده في الحمام ، فأتى البيت في بعض الحوائج في صورة الجمل الهائج ، شاهقا باشرا ، صائحا ثائرا ، صارخا :
وا ويلاه وا سيداه وا مولاه ، فسئل مالك لا أحسن الله حالك ولا أنعش بالك ؟
هامش
( 1 ) العبد .
( 2 ) الريق المرشوف .
( 3 ) الغبوق والصبوح : ما يشربه في المساء والصباح .
( 4 ) عيب .