قال الحكيم : نعم أيها الملك العظيم أنا جهينة الأخبار « 1 » ، ومزينة الأخيار « 2 » ، وحكم الحكم ولى في البيان أعلى علم . أما هذا الشخص المذكور فإنه بالفسق والفساد مشهور ، ورقّ شره « 3 » في البلاد منشور ، وكتاب عناده بين العباد مسطور ، وبيت جسده لنعم الله تعالى على خلص أوليائه بالفجور معمور ، وله صفات تعيسة وأخلاق خسيسة ، تأنف مردة الشياطين منها وتستنكف العفاريت عنها ، وكم له من دواهي شرها غير متناهي ، لا يفي بذكرها هذا الخطاب ولا يسع سردها هذا الكتاب ، بل ولا يقوم بذلك دفتر ولا حساب ؛ ولكن البعرة تدل على البعير ؛ فقس من هذا التقدير الكثير على اليسير ، وقد كان أراد نشر الفساد ببلاد العراق وبغداد فعاكسه القدر وأحاد ، فنفى من تلك البلاد فوصل إرم ذات العماد « 4 » ، وتعاطى أسباب ما هو عليه من الزندقة والإلحاد فأثار أصناف الفتن وأنواع العناد ، وابتدع من الشر والبدع ما يخرج عن حصر التعداد ، وهو على ما هو عليه من المناكدة والمجاحدة وقصده الأعوج من تعديل أقوال الرافضة « 5 » والملاحدة ، وسيوضع لذلك مصنف متسع على حده . ولقد بلغني أيها الملك الهمام أنه حصل له في ذلك المقام مع عالم من علمائها الأعلام قضايا كبّته على خيشومه ، وأظهر بها ذلك العالم دسائس خبثه وشومه ، مثل ما اتفق لعالم الإنسان مع شيطان العفاريت وجان الجان في غابر الدهر وماضي الزمان . فقال القيل العظيم :
أخبرنا بذلك أيها الحسيب الكريم .
هامش
( 1 ) جهينة الأخبار : مثل يضرب للشخص العارف بحقيقة الأمور .
( 2 ) أفضل الأخيار .
( 3 ) الرق : الصفحة من الكتاب وغيره .
( 4 ) إرم ذات العماد : قوم عاد الأولى ، وهم ولد عماد بن إرم بن عوض بن سام بن نوح وهم الذين بعث الله فيهم هودا عليه السلام . وذات العماد ؛ لأنهم كانوا يسكنون بيوت الشعر التي ترفع بالأعمدة الشداد ، وقد كانوا أشد الناس في زمنهم خلقة وأقواهم بطشة .
( 5 ) الرافضة : فرقة من الشيعة بايعوا زيد بن علي ، ثم قالوا له تبرأ من الشيخين ، فأبى ، ثم قال : كانا وزيري جدى ، فتركوه ورفضوه . وهم من أخبث فرق الشيعة .