ولكن رضا هذين الخادمين غاية لا تدرك ، وفقد مقصوديهما نهاية عميقة المسلك ، وقد قال سيد الأنام عليه الصلاة والسلام يوما وهو بين الأصحاب كالشمس ليس دونها حجاب ، والبدر لا يحجبه سحاب : « لا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب » « 1 » .
والحرص مهلك ، والشهوة قاتلة ، وكل منهما في الدمار والبوار علة كاملة ، وناهيك يا ذخر الحق وغياثه أخبار اللصوص الثلاثة ، فطلب الملك من الزاهد إيضاح هذا الشاهد .
[ 20 ]
[ أخبار اللصوص الثلاثة : ]
فقال : ذكر أهل الوراثة ، أن لصوصا ثلاثة ، كانوا على سبيل الاشتراك متعاطين أسباب التحرم والهلاك ، واستمروا على ذلك مدة حتى استولوا من الأموال على عدة ، ففي بعض الليال ظفروا بجملة من الأموال ، ودخلوا إلى مكان داثر « 2 » خال بنية الاقتسام وكانوا محتاجين إلى الطعام ، فوجدوا في ذلك المكان الداثر صندوقا مملوا من الجواهر ، ففرحوا وانشرحوا ، وتصوروا أولئك الخاسرين أنهم ربحوا . فقالوا : إن اشتغلنا بقسمة هذا المجموع كلبنا وأهلكنا كلب الجوع ، فأولى طلب الطعام قبل الاقتسام ولو بأدنى التهام ويسير التقام . ثم أرسلوا مع أحدهم إلى المدينة ورقهم « 3 » ، ليأتيهم بما يسد رمقهم .
فلما انفصل عن مكانهما وغاب عن أعينهما تحركت نفسه الخبيثة بشهوة أحجبت تاريثه « 4 » ، وقواها الحرص المشوم لشدة الشره الملوم ، ودعاه داعى الفساد إلى الاستيلاء بالانفراد ، فعزم على ختلهما فوضع في الطعام
هامش
( 1 ) حديث أخرجه البخاري : كتاب الرقاق ، باب ما يتقى من فتنة المال ( 36 ، 64 ) .
( 2 ) مهجور ، خرب .
( 3 ) الورق : الفضة . والمعنى : النقود .
( 4 ) التريث والهدوء .