- ولم أدل بهذا البسط كله على أن العرب خلت من المعاني جملة ، ولا أنها أفسدتها ، لكن دللت على أنها قليلة في أشعارها ، تكاد تحصر لو حاول ذلك محاول ، وهي كثيرة في أشعار هؤلاء ، وإن كان الأولون قد نهجوا الطريق ، ونصبوا الأعلام للمتأخرين .
- فإن « 1 » قال قائل : ما بالكم معشر المتأخرين كلما تمادى « 2 » الزمان قلّت في أيديكم المعاني ، وضاق عليكم « 3 » / المضطرب ؟
قلنا : أما المعاني فما قلّت ، غير أن العلوم والآلات ضعفت ، وليس يدفع أحد أن الزمان كل يوم في نقص ، وأن الدنيا على آخرها ، ولم يبق من العلم إلا رمقه معلقا بالقدرة ، ما يمسكه « 4 » / إلا الذي يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه .
وإذا تأملت هذا تبيّن لك ما في أشعار الصدر الأول الإسلاميين « 5 » من الزيادات على معاني القدماء والمخضرمين ، ثم ما في أشعار طبقة جرير « 6 » والفرزدق وأصحابهما من التوليدات « 7 » والإبداعات العجيبة التي لا يقع مثلها للقدماء إلا في الندرة القليلة والفلتة المفردة .
- ثم / أتى بشار « 8 » وأصحابه فزادوا معاني ما مرّت قطّ بخاطر جاهلىّ ولا مخضرم ولا إسلامىّ ، فالمعانى أبدا تتردّد وتتولّد ، والكلام يفتح بعضه بعضا .
- وكان ابن الرومي ضنينا بالمعاني ، حريصا عليها ، يأخذ المعنى ، أو يولّده ، فلا يزال يقلبه بطنا « 9 » لظهر ، ويصرّفه في كل وجه ، وإلى كل ناحية ،
هامش
( 1 ) في المطبوعتين فقط : « وإن قال . . . » .
( 2 ) في المطبوعتين فقط : « . . . تمادى بكم الزمان » .
( 3 ) في المطبوعتين فقط : « وضاق بكم . . . » .
( 4 ) في ع : « وما يمسكه . . . » وفي خ : « ما يمسكها » .
( 5 ) في ف : « من الإسلاميين » .
( 6 ) في ف : « الفرزدق وجرير » .
( 7 ) في ف : « من الزيادات والتوليدات . . . » .
( 8 ) في ف والمطبوعتين فقط : « بشار بن برد » .
( 9 ) في ع والمطبوعتين : « ظهرا لبطن » .