فإنني لم أجد في حياتي العلمية الطويلة أبخل من غنيّ بماله حين يتعلق الأمر بنشر الكتاب التراثي أو مساعدة محققيه العلماء ، إلا إذا كان هذا النشر عاملا دعائيا آنيّا له ، ولا أكرم منه حين يتعلق الأمر بلهو عابر أو سخف دنيوي مستعار .
والطريف أنّ هذه الظاهرة ليست جديدة ، فقد عانى منها ابن الحاجب المصري المتوفى سنة 646 ه بالإسكندرية ، فقال :
يا أهل مصر وجدت أيديكم * عن بسطها للنوال منقبضة
لما عدمت القرى بأرضكم * أكلت كتبي كأنني أرضة « 1 »
ورددها بعده بما يقرب من خمسين سنة ابن الساعاتي البغدادي المتوفى سنة 694 ه حين زار مصر « 2 » .
ولم يكن حال العالم البغدادي أحسن حالا من العالم المصري حين قال ، وهو يصف حال العلماء في حاضرة الخلافة :
بغداد دار لأهل المال طيّبة * وللمفاليس دار الضنك والضيق
أصبحت فيها مضاعا بين أظهرهم * كأنني مصحف في بيت زنديق « 3 »
لقد لخّصت في مقدمة تحقيقي لكتاب وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى لنور الدين علي بن عبد اللّه السمهودي « 4 » ، ما عانيته من أمثال هذه الكتب الممخرقة ، فقلت : وهنا لا بدّ لي من كلمة أنفث من خلالها بثي وحزني ومعاناتي الجمّة مع بعض المصادر التي تعاملت معها ، فقد ابتلي عالم تحقيق
هامش
( 1 ) حاشية الصعيدي على شرح الأخضري للسلم المرونق ، مخطوطة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض رقم 1142 ورقة 107
أ ( 2 ) الجواهر المضية في طبقات الحنفية للقرشي ، تح عبد الفتاح محمد الحلو ، عيسى البابي الحلبي ، القاهرة 1398 ه / 1978 ، 1 / 212 حاشية .
( 3 ) معجم البلدان 1 / 464 .
( 4 ) مقدمة الجزء الأول منه .