ومع هذا فإنّ تزوير المسكوكات لم يكن أمرا حديثا ، بل ظاهرة قديمة لم تخل منها أمة من الأمم . ولهذا نراها في كثير من الأخبار التي روتها لنا كتب الأدب والتاريخ ، فاصطنع لها جهابذه النقد اسم : الزغل ، وقالوا : درهم زيف وزائف ، ودراهم زائفة وهي زيوف وزيّف .
فقد ذكر ابن سعد بسنده عن عبد اللّه بن عون ، قال : « كان محمد بن سيرين إذا وقع عنده درهم زائف ، أو ستّوق لم يشتر بها ، فمات يوم مات وعنده خمسمائة ستّوقة وزيوف » « 1 » ، وتوفي ابن سيرين سنة 110 ه .
وروى ابن إياس أنّ السلطان « رسم بقطع أيدي ثمانية أنفار يعملون الدراهم الزغل ، وفيهم شيخ قد ناف عن الثمانين ، فقطعت أيديهم وشهروا في القاهرة » « 2 » .
وروى البصروي في حوادث شهر محرم من سنة 891 ه بدمشق ، أنّ فيه : « مسك شخص شراقي « 3 » قيل : إنه يضرب الزغل ، وأحضر عند الحاجب ، وضرب وكتبت رقعته ، ثم أخذ إلى القلعة ، وأصل هذا الزغل شخص يسمى عبد القادر المصري ، كان عند الشيخ الموصلي ، فتغيّب عند وقوع الحكاية » « 4 » .
ومثل هذه الأخبار كثيرة في بطون التواريخ ، قل من اهتمّ بها أو حاول دراستها أحد ، فهي لذلك تستحق الجمع والدراسة واستقراء الأسباب التي دعت المزورين إلى تزوير النقود المعدنية أو الورقية مع علمهم بالعقاب
هامش
( 1 ) طبقات ابن سعد 7 / 202 وسير أعلام النبلاء 4 / 620 .
( 2 ) بدائع الزهور في وقائع الدهور ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة 1404 ه / 1984 ، 3 / 318 .
( 3 ) كذا في الكتاب ، ولم يعلّق المحقق على اللفظة شيئا ، ولا ندري معناها فلعلها تصحيف :
عراقي .
( 4 ) تاريخ البصروي ، لعلي بن يوسف الدمشقي البصروي 109 .