أحمل رحله وأنساعه « 1 » . فتقسّمن متاعه وزاده ؛ وبقيت عنيزة لم تحمل له شيئا ؛ فقال لها : يا بنت الكرام ، لا بد أن تحمليني معك ؛ فإني لا أطيق المشي ، فحملته على غارب « 2 » بعيرها ، فكان يجنح إليها فيدخل رأسه في خدرها فيقبّلها ، فإذا امتنعت مال حدجها « 3 » ، فتقول : عقرت بعيري فانزل ! ففي ذلك يقول :
[ ألا ربّ يوم لي من البيض صالح * ولا سيّما يوم بدارة جلجل ]
ويوم عقرت للعذارى مطيتي * فيا عجبنا من رحلها المتحمّل
فظلّ العذارى يرتمين بلحمها * وشحم كهدّاب الدّمقس المفتّل .
تقول وقد مال الغبيط بنا معا * عقرت بعيري يا امرأ القيس فانزل « 4 »
فقلت لها سيري وأرخي زمامه * ولا تبعديني من جناك المعلّل
وكان الفرزدق أروى الناس لأخبار امرئ القيس وأشعاره ، وذلك أنّ امرأ القيس رأى من أبيه جفوة ، فلحق بعمه شرحبيل بن الحارث ، وكان مسترضعا في بني دارم فأقام فيهم ، وهم رهط الفرزدق .
خبر دعبل وصريع الغواني
حدثنا أبو سويد بن أبي عتاهية عن دعبل بن علي الشاعر قال : بينا أنا ذات يوم بباب الكرخ وأنا سائر ، وقد احتوى الفكر على قلبي في أبيات شعر قد نطق بها اللسان من غير اعتقاد جنان ، فقلت :
دموع عيني لها انبساط * ونوم عيني به انقباض
فإذا أنا بجارية فائقة الجمال حوراء الطرف ، يقصر عن نعتها الوصف ؛ لها وجه زاهر ، ونور باهر ، فهي كما قال الشاعر :
كأنما أفرغت في قشر لؤلؤة * في كل جارحة منها لها قمر
هامش
( 1 ) الأنساع : جمع نسع ، وهو سير ينسج عريضا تشد به الرحال .
( 2 ) غارب البعير : ما بين السنام والعنق .
( 3 ) الحدج : الهودج .
( 4 ) الغبيط : ما يوضع على ظهر البعير لتركب المرأة فيه .