فأتاها أشعب فاستأذن عليها ، وكان نساء المدينة لا يحتجبن عنه ؛ فقالت له : ما بدا لك في زيارتنا يا أشعب ؟ قال : يا سيدتي ، أرسلني إليك الوليد برسالة . قالت : هاتها .
فأنشدها البيتين ، فقالت لجواريها : خذن هذا الخبيث . . . وقالت : ما جرّأك على مثل هذه الرسالة ؟ قال : إنها بعشرين ألفا معجلة مقبوضة ! قالت واللّه لأجلدنك أو لتبلغنّه عني كما أبلغتني عنه . قال : فاجعلي لي جعلا « 1 » . قالت : بساطي هذا . قال :
فقومي عنه . فقامت عنه ، وطوى البساط وضمه ، ثم قال : هاتي رسالتك . فقالت له : قل له :
أتبكي على سعدى وأنت تركتها * فقد ذهبت سعدى ، فما أنت صانع
فلما بلّغه الرسالة كظم الغيظ على أشعب ، وقال : اختر إحدى ثلاث خصال ، ولا بد لك من إحداها : إما أن أقتلك ، وإما أن أطرحك للسباع فتأكلك ، وإما أن ألقيك من هذا القصر ! فقال أشعب ، يا سيدي ، ما كنت لتعذب عينين نظرتا إلى سعدى ! فضحك وخلى سبيله .
وأقامت عنده سلمى حتى قتل عنها ، وهو القائل في سلمى :
شاع شعري في سليمى وظهر * ورواه كلّ بدو وحضر
وتهادته الغواني بينها * وتغنّين به حتى انتشر
لو رأينا من سليمى أثرا * لسجدنا ألف ألف للأثر
واتخذناها إماما مرتضى * ولكانت حجّنا والمعتمر
إنما بنت سعيد قمر * هل حرجنا أن سجدنا للقمر
وفيها يقول قبل تزوجه لها :
حدّثوا أنّ سليمى * خرجت يوم المصلّى
فإذا طير مليح * فوق غصن يتفلّى « 2 »
هامش
( 1 ) الجعل : الجعالة : ما يجعل على العمل من أجر أو رشوة .
( 2 ) يتفلى : يتأمل .