الجزء الرابع
كتاب العسجدة في كلام الأعراب
فرش كتاب العسجدة
قال أحمد بن محمد بن عبد ربه : قد مضى قولنا في النسب الذي هو سبب التعارف ، وسلم إلى التواصل ، وفي تفضيل العرب ، وفي كلام بعض الشعوبية ، ونحن قائلون بعون اللّه وتوفيقه في كلام الأعراب خاصة ؛ إذ كان أشرف الكلام حسبا ، وأكثره رونقا ، وأحسنه ديباجا ، وأقله كلفة ، وأوضحه طريقة ؛ وإذ كان مدار الكلام كله عليه ، ومنتسبه إليه .
خالد بن صفوان وأعرابي :
قال رجل من منقر : تكلم خالد بن صفوان بكلام في صلح لم يسمع الناس كلاما قبله مثله ، وإذا بأعرابيّ في بت « 1 » ، ما في رجليه حذاء ، فأجابه بكلام وددت أني متّ قبل أن أسمعه ، فلما رأى خالد ما نزل بي قال لي : ويحك ! كيف نجاريهم وإنما نحاكيهم ؟ أم كيف نسابقهم وإنما نجري بما سبق إلينا من أعراقهم ؟ قلت له : أبا صفوان ، واللّه ما ألومك في الأولى ، ولا أدع حمدك على الأخرى .
بين أعرابي وربيعة في مثله :
وتكلم ربيعة الرأي يوما بكلام في العلم فأكثر ، فكأن العجب داخله ، فالتفت إلى أعرابي إلى جنبه فقال : ما تعدّون البلاغة يا أعرابيّ ؟ قال : قلة الكلام وإيجاز الصواب . قال : فما تعدّون العيّ ؟ قال : ما كنت فيه منذ اليوم . فكأنما ألقمه حجرا « 2 » .
هامش
( 1 ) البتّ : كساء غليظ .
( 2 ) ألقمه حجرا : أسكته عند المخاصمة .