تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العقد الفريد — صفحة 358

مساهمون:

ص٣٥٨

رد الشعوبية على ابن قتيبة

قال بعض من يرى رأي الشعوبية فيما يردّ به على ابن قتيبة في تباين الناس وتفاضلهم ، والسيد منهم والمسود . إننا نحن لا ننكر تباين الناس ولا تفاضلهم ، ولا السيد منهم والمسود ، والشريف والمشروف ؛ ولكنا نزعم أنّ تفاضل الناس فيما بينهم ليس بآبائهم ولا بأحسابهم ، ولكنه بأفعالهم وأخلاقهم وشرف أنفسهم وبعد هممهم ؛ ألا ترى أنه من كان دنيء الهمة ، ساقط المروءة ، لم يشرف وإن كان من بني هاشم في ذؤابتها ، ومن أمية في أرومتها ، ومن قيس في أشرف بطن منها ؛ إنما الكريم من كرمت أفعاله ، والشريف من شرفت همته ؛ وهو معنى حديث النبي عليه الصلاة والسّلام : « إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه » . وقوله في قيس بن عاصم : « هذا سيد أهل الوبر » . إنما قال فيه لسؤدده في قومه بالذب عن حريمهم ، وبذله رفده لهم : ألا ترى أن عامر بن الطفيل كان في أشرف بطن في قيس يقول :
وإني وإن كنت ابن سيّد عامر * وفارسها المشهور في كلّ موكب فما سوّدتني عامر عن وراثة * أبى اللّه أن أسمو بأمّ ولا أب ولكنّني أحمي حماها وأتّقي * أذاها وأرمي من رماها بمنكب « 1 »
وقال آخر :
إنّا وإن كرمت أوائلنا * لسنا على الأحساب نتّكل نبني كما كانت أوائلنا * تبنى ونفعل مثل ما فعلوا
وقال قس بن ساعدة : لأقضينّ بين العرب بقضية لم يقض بها أحد قبلي ولا يردّها أحد بعدي : أيما رجل رمى رجلا بملامة دونها كرم ، فلا لؤم عليه ، وأيما رجل ادّعى كرما دونه لؤم فلا كرم له . ومثله قول عائشة أم المؤمنين : كل كرم دونه لؤم فاللؤم أولى به ، وكل لؤم دونه
هامش
( 1 ) المنكب : مجتمع رأس الكتف والعضد .