تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العقد الفريد — صفحة 175

مساهمون:

ص١٧٥
الحرام ، وسلب تجارهم رزق اللّه الحلال . وأما الآخر فإنه يوجه إليهم من يعتقد له الحجة عليهم بإعطاء ما يطلبون ، وبذل ما يسألون ، فإذا سمحت الفرق بقرانها له ، وجنح أهل النواحي بأعناقهم نحوه ، فأصغت إليه الأفئدة ، واجتمعت له الكلمة ، وقدمت عليه الوفود ، قصد لأول ناحية بخعت « 1 » بطاعتها ، وألقت بأزمتها ، فألبسها جناح نعمته ، وأنزلها ظلّ كرامته ، وخصّها بعظيم حبائه ، ثم عمّ الجماعة بالمعدلة ؛ وتعطّف عليهم بالرحمة ، فلا تبقى فيهم ناحية دانية ، ولا فرقة قاصية ، إلا دخلت عليها بركته ، ووصلت إليها منفعته ، فأغنى فقيرها ، وجبر كسيرها ، ورفع وضيعها ، وزاد رفيعها ، ما خلا ناحيتين : ناحية يغلب عليهم الشقاء وتستميلهم الأهواء فتستخف بدعوته ، وتبطئ عن إجابته ، وتتثاقل عن حقه ، فتكون آخر من يبعث ، وأبطأ من يوجّه ، فيضطمر عليها موجده ، « 2 » ويبتغي لها علة ، لا يلبث أن يجدها بحقّ يلزمهم ؛ وأمر يجب عليهم ، فتستلحمهم الجيوش ، وتأكلهم السيوف ، ويستحرّ فيهم القتل ، ويحيط بهم الأسر ، ويفنيهم التتبّع ، حتى يخرب البلاد ، ويؤتم الأولاد . وناحية لا يبسط لهم أمانا ، ولا يقبل لهم عهدا ، ولا يجعل لهم ذمة ؛ لأنهم أول من فتح باب الفرقة ، وتدرّع جلباب الفتنة ، وربض « 3 » في شقّ العصا . ولكنه يقتل أعلامهم ، ويأسر قوّادهم ، ويطلب هرّابهم في لجج البحار ، وقلل الجبال ، وخمر الأودية ، وبطون الأرض ، تقتيلا وتغليلا وتنكيلا ؛ حتى يدع الدّيار خرابا ، والنّساء أيامى . وهذا أمر لا نعرف له في كتبنا وقتا ، ولا نصحّح منه غير ما قلنا تفسيرا . وأما موسى ولي عهدي ، فهذا أوان توجّهه إلى خراسان ، وحلوله بجرجان ؛ وما قضى اللّه له من الشخوص « 4 » إليها والمقام فيها ، خير للمسلمين مغبّة ، وله بإذن اللّه عاقبة ، من المقام بحيث يغمر في لجج بحورنا ومدافع سيولنا ومجامع أمواجنا ،
هامش
( 1 ) بخعت : أقرّت . ( 2 ) الموجدة : الغضب . ( 3 ) ربض : أقام على المعصية وأصرّ . ( 4 ) الشخوص : التوجه والذهاب بنفسه .
العقد الفريد — صفحة 175 | مفيد محمد قمحية / أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي