تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العقد الفريد — صفحة 170

مساهمون:

ص١٧٠
محض السّقاء ، بمتابعة الكتب ، ومظاهرة الرسل ، وموالاة العيون ، حتى تهتك حجب غيوبهم ، وتكشف أغطية أمورهم ؛ فإن انفرجت الحال له وأفضت الأمور به إلى تغيير حال أو داعية ضلال ، اشتملت الأهواء عليه ، وانقاد الرجال إليه ، وامتدت الأعناق نحوه ، بدين يعتقدونه . وإثم يستحلّونه ، عصبهم بشدّة « 1 » . لا لين فيها ، ورماهم بعقوبة لا عفو معها ، وإن انفرجت الغيوب ، واهتصرت السّتور ، ورفعت الحجب ، والحال فيهم مريعة « 2 » ، والأمور بهم معتدلة ، عن أرزاق يطلبونها ، وأعمال ينكرونها ، وظلامات يدّعونها ، وحقوق يسألونها ، بماتّة سابقتهم ، ودالّة مناصحتهم . فالرأي للمهدي - وفقه اللّه - أن يتسع لهم بما طلبوا ، ويتجافى لهم عما كرهوا ، ويشعب « 3 » من أمرهم ما صدعوا ، ويرتق من فتقهم ما فتقوا ؛ ويولّي عليهم من أحبّوا ، ويداوي بذلك مرض قلوبهم ، وفساد أمورهم ؛ فإنما المهدي وأمته وسواد أهل مملكته بمنزلة الطبيب الرفيق ، والوالد الشفيق ، والراعي الحدب ، الذي يحتال لمرابض غنمه ، وضوالّ رعيته ، حتى يبرئ المريضة من داء علتها ، ويرد الضالّة إلى أنس جماعتها . ثم إن خراسان بخاصة لهم ذالّة محمولة ، وماتّة مقبولة ، ووسيلة معروفة ، وحقوق واجبة ؛ لأنهم أيدي دولته ، وسيوف دعوته ، وأنصار حقه ، وأعوان عدله . فليس من شأن المهدي الاضطغان عليهم ، ولا المؤاخذة لهم ، ولا التوعّر بهم « 4 » ، ولا المكافأة بإساءتهم ؛ لأن مبادرة حسم الأمور ضعيفة قبل أن تقوى ، ومحاولة قطع الأصول ضئيلة قبل أن تغلظ ، أحزم في الرأي وأصحّ في التدبير ، من التأخير لها والتهاون بها ، حتى يلتئم قليلها بكثيرها ، وتجتمع أطرافها إلى جمهورها . قال المهدي : ما زال هارون يقع وقع الحيا ، حتى خرج خروج القدح مما قال ، وانسلّ انسلال السيف فيما ادعى ، فدعوا ما قد سبق موسى فيه أنه هو الرأي ، وثنّى بعده هارون ، ولكن من لأعنّة الخيل ، وسياسة الحرب ، وقيادة الناس ، إن أمعن بهم اللجاج ، وأفرطت بهم الدالّة ؟ « 5 »
هامش
( 1 ) عصبهم بشدّة : أخذهم بالحزم . ( 2 ) مريعة : أي موفورة الرزق والخيرات . ( 3 ) يشعب : يصلح ويسوّي . ( 4 ) التوعّر : التشدّد . ( 5 ) الدّالّة : الجرأة .