د - إن النظرة الأولى على كل من كتابي « الزهرة » و « الظرف والظرفاء » تجعلنا نظن بوجود تشابه كبير بينهما . وبالفعل فإنهما يقدمان عملين مصادرهما متشابهة ومتقاربة ، لا سيما في موضوع الحب . فالعفة هي المطلب المسيطر في كل مراحل الحب . قال نفطويه :
ليس الظريف بكامل * حتى يكون عن الحرام عفيفا
ويورد الوشاء قصصا في عفة المحبين مدعمة بآيات من القرآن الكريم . وهذه العفة تسمح بالمجالسة والمحادثة . من ذلك شاهد من العباس بن الأحنف ، الشاعر الدافىء الذي يبدو شاعر الظرفاء الأول :
أتأذنون لصب في زيارتكم * فعندكم شهوات السمع والبصر
اني أحبك حبا لا لفاحشة * عف الضمير ولكن فاسق النظر
ويستتبع هذه العفة استخلاص نتائج في أهمية الحب . فهو للظرفاء من اوكد الفرض عليهم ، وهو ينمي القدرة على حسن تركيب الطباع والغرائز وصفاء الجوهر ، وهو من شيم الكرام . لأن الهوى ، كما وصفته العلماء وكما قال فيه الحكماء هو أول باب تفتق به الأذهان وينفسح به الجنان ، وقد يشجع الجبان ويسخي البخيل ويطلق لسان العيي ويقوي حزم العاجز . وبكلمة ان الإنسان إذا عشق نظف وظرف ولطف « 38 » .
وللهوى عند الوشاء علامات ودلالات . ومن علاماته نحول الجسم ، وطول السقم ، واصفرار اللون ، وقلة النوم ، وادمان الفكر ، وسرعة الدموع واظهار الخشوع . وهو ، كما وصفه أحد المرابطين في الثغور ، نوع من الجهاد . ومن لم تكن له هذه الامارات فهو من الكاذبين والأدعياء . فالعرب ، كما يقول الوشاء ، تمدح بالضمر ، وتذم بالسمن وتنسب أهل النحول إلى الأدب والمعرفة ، وأهل السمن إلى
هامش
( 38 ) - باب سنن الظرف 121 . وقارن أيضا مع قول لأرسطو في الحب نقله ابن الخطيب في : روضة التعريف بالحب الشريف 357 .