ترى ، ومن التقديم في الرتبة قوله تعالى :
هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ
[ القلم : 11 ] فإن الهماز هو المغتاب ، وهو لا يفتقر إلى مشى ، بخلاف النميمة فإنها تفتقر إلى نقل الحديث من شخص إلى شخص ، وما كان مجردا فهو سابق في الرتبة على ما كان له تعلقات بغيره ، وقوله تعالى
مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ
[ القلم : 12 ] إنما قدم على قوله :
مُعْتَدٍ أَثِيمٍ
[ القلم : 12 ] لما كان المنع مقصورا على نفسه والعدوان له تعلق بغيره ، وهكذا قوله
عُتُلٍّ
فإنه الفظّ الغليظ ، والزنيم له تعلق بالغير من جهة أنه الدعي وهو المنسوب إلى غير أبيه فله تعلق بالغير .
ومن التقدم في الشرف قوله تعالى :
فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ
[ المائدة : 6 ] وقوله :
وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ
[ المائدة : 6 ] فإن الوجه أشرف من اليد ، والرأس أفضل من الرجل ، ومنه قوله
النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ
[ النساء : 69 ] فإن النبي أشرف من الصديق وقوله :
وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ
[ النساء : 69 ] فإن الشهداء أعلى درجة من غيرهم من أهل الصلاح ، ومن هذا قوله تعالى :
وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ
[ الملك : 23 ] وقوله
إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ
[ الإسراء : 36 ] وقوله :
سَمِيعٌ بَصِيرٌ
[ المجادلة : 1 ] وقوله تعالى :
فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ
[ الأحقاف : 26 ] فأما تقديم الإنس على الجن فهو الأكثر الوارد في القرآن من أجل شرفهم على الجن كقوله تعالى
لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ
[ الرحمن : 74 ] وقوله تعالى :
فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ
[ الرحمن : 39 ] وقوله تعالى :
وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِباً
[ الجن : 5 ] وغير ذلك ، فأما قوله :
يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ
[ الرحمن : 33 ] فإنما ورد مقدّما هاهنا على الإنس ، من أجل اشتمالهم على الملائكة كما قال
وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً
[ الصافات : 158 ] حيث قالوا : الملائكة بنات الله ، وكما قال الأرحبي « 1 » :
وسخّر من جنّ الملائك سبعة * قياما لديه يعملون بلا أجر
فحيث كان متناولا للملائكة قدموا لفضلهم ، وحيث كان الخطاب مقصورا على الثقلين قدم الإنس لفضلهم ، والأجود أن يقال : إنما قدم الجن هاهنا لما كان المقام مقام خطاب بامتثال الأوامر في العبادة في قوله تعالى :
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
[ الذاريات : 56 ] فقدمهم لما كانت المخالفة منهم في ترك العبادة أكثر من
هامش
( 1 ) انظر البيت في لسان العرب ( جنن ) وهو منسوب للأعشى ؛ وليس في ديوانه .