تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 21

مساهمون:

ص٢١
إليه ، فأما الأوصاف الجارية على الله تعالى فقلما يأتي فيها العطف ، وما ذاك إلا لأنها أسماء دالة على الذات باعتبار هذه الخصائص لها ووافقت الذات في عدم الأولية لها ، فلأجل هذا جرت مجرى الأسماء المترادفة كقوله تعالى :
هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ
[ الحشر : 22 ] ثم قال :
الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ
[ الحشر : 23 ]
الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ
[ الحشر : 24 ] وقال
غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ
[ غافر : 3 ] فجاء بها على جهة التعديد من دون الواو لما ذكرناه ، وإنما جاءت معطوفة في قوله تعالى
هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ
[ الحديد : 3 ] لأنها متضادة المعاني في أصل موضوعها ، فلهذا جاءت الواو رافعة لتوهم من يستبعد ذلك في ذات واحدة ؛ لأن الشئ الواحد لا يكون ظاهرا باطنا من وجه واحد ، فلأجل هذا حسن العطف ، ولهذا جاء العطف في قوله تعالى
ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً
[ التحريم : 5 ] بخلاف ما تقدمه من الصفات ، فإنها معدودة من غير واو ، وذلك لأجل تناقض البكارة والثيوبة ، فجىء بالعطف لرفع التناقض بخلاف الإسلام ، والإيمان ، والقنوت ، والتوبة ، وغيرها من الصفات ، ومنه قوله تعالى
التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ
[ التوبة : 112 ] إلى آخرها بغير واو ، وقال في آخرها
الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ
[ التوبة : 112 ] لما كانت هاتان الصفتان متضادتين ، فلا جرم وجب فيهما العطف كما ترى ، لا يقال فإنا نرى الأوصاف في قوله تعالى :
غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ
[ غافر : 3 ] جاءت كلها بغير حرف عطف إلا قوله
وَقابِلِ التَّوْبِ
[ غافر : 3 ] فإنها جاءت بالواو مع اشتراكها كلها في كونها من الأوصاف الفعلية ، فما السر في ذلك ، لأنا نقول : أما مجىء
غافِرِ
عقيب قوله :
الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ
[ غافر : 2 ] من غير واو مع أنهما من صفات الذات و « غافر » من صفات الأفعال : فإنما كان كذلك لأنها في معناهما ؛ لأن العزيز هو الغالب ، والعالم هو المحيط بكل المعلومات ، ومن كان غالبا بالقدرة على كل شيء وعالما بحسن العفو ومزيد الإحسان فهو الأحق بالستر ، وإسقاط العقوبة وأن لا يستوفى له حقّا من العباد ، فلهذا جاءت من غير واو ؛ لانتظامها مع ما قبلها في سلك واحد كما أوضحناه ، وأما مجىء قوله :
وَقابِلِ التَّوْبِ
بالواو مع كونها من صفات الأفعال لأمرين ؛ أما أولا فلأن المرجع بالمغفرة إلى السلب ؛ لأن معنى « الغافر » هو الذي لا يفعل العقوبة مع الاستحقاق ، والمرجع بقبول التوبة إلى الإثبات ؛ لأن معناه أنه يقبل العذر والندم ، فلما