تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 166

مساهمون:

ص١٦٦
فهكذا يصلح خطاب الملوك والخلفاء على هذا الوجه من حسن الأدب ، ولقد غلا بعض من يدعى البلاغة ، وزعم أنه لا ينبغي مخاطبة الملوك والخلفاء والأكابر بكاف الخطاب ، وهذا فاسد ، فإن الله تعالى هو مالك الملك والمتعالى بصفات الكمال ، قد خوطب بكاف الخطاب كقوله تعالى لرسوله صلّى اللّه عليه وسلم :
وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً
[ آل عمران : 41 ] ، وقوله :
وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ( 99 )
[ الحجر : 99 ] وقد جاء ذلك على ألسنة الفصحاء كثيرا ومنه قول النابغة :
وإنك كالليل الذي هو مدركى * وإن خلت أن المنتأى عنك واسع « 1 »
ومن هذا قوله أيضا :
حلفت فلم أترك لنفسك ريبة * وليس وراء الله للمرء مذهب « 2 »
نعم إنما يكره ذلك في المكاتبات ، دون الأقوال ، وإنما يؤتى في الكتابة على جهة الغيبة في مخاطبة الملوك وأهل الرفعة لا غير ، ومن الآداب الحسنة أن لا تخاطب الملوك بأسماء أمهاتهم وجدّاتهم ، وقد عيب على أبى نواس ما أورده في قصيدته الميمية التي امتدح بها الأمين محمد بن هارون الرشيد حيث قال :
أصبحت يا بن زبيدة ابنة جعفر * أملا لعقد حباله استحكام
فإن ذكر الله الخليفة في هذا الموضع قبيح ، وكان له مندوحة عن ذكر مثل ذلك بأبيه أو بجده أو غير ذلك من سائر المدائح المعروفة عند الشعراء المفلقين ، وقد أخذ عليه أيضا قوله في قصيدة أخرى :
وليس كجدّتيه أم موسى * إذا نسبت ولا كالخيزران
فإن مثل هذا يعد في الركيك من الشعر فضلا عن أن يكون معدودا من فصيحه ، وهكذا فإنه قد أخذ على جرير في مدح عمر بن عبد العزيز بذكر أمه حيث قال :
وتبنى المجد يا عمر بن ليلى * وتكفى الممحل السّنة الجمادا
فهذا وأمثاله مما يعاب ذكره ، وينبغي للشاعر والخطيب تجنّبه كما أشرنا إليه ، لا يقال فكيف قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في الزبير لما أخبر أنه سيقتل : بشّر قاتل ابن صفية بالنار ، فنسبه
هامش
( 1 ) البيت للنابغة في الإيضاح : ص 177 ، وأورده الجرجاني محمد بن علي في الإشارات ص 66 . ( 2 ) في المصباح ص 207 ، والإيضاح ص 517 .
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 166 | يحيي بن حمزة العلوي اليمني / عبد الحميد هنداوي