المعنى الثاني أن لا يكون المقصود الاختصاص ، وإنما المقصود التحقق
، وتمكين ذلك المعنى في نفس السامع بحيث لا يخالجه فيه ريب ، ولا يعتريه شك ، وهذا كقولك : هو يعطى الجزيل ، وهو الذي يجود بنفسه ، فغرضك تحقيق إعطائه للجزيل ، وكونه لا يبخل بنفسه ، وتمكّنه في نفس من تخاطبه ، وعلى هذا ورد قوله تعالى :
وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ
[ البقرة : 14 ] فخاطبوا المؤمنين بالجملة الفعلية ، وشياطينهم بالجملة الاسمية المحقّقة بإنّ المشددة ، وإنما كان الأمر كذلك لأنهم في خطابهم لإخوانهم مخبرون عن أنفسهم بالثبات والتصميم على اعتقاد الكفر مصرون على التمادي في الجحود والإنكار ، فلهذا وجّهوه بالجملة المؤكدة الاسمية بخلاف خطابهم للمؤمنين ، فإنما كان عن تكلف وإظهار للإيمان ، خوفا ومداجاة من غير عزم عليه ، ولا شرح صدورهم به ، ومن هذا قوله تعالى في سورة يوسف :
قالُوا يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ ( 11 ) أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ
[ يوسف :
11 - 12 ] فانظر إلى ما أخبروا به عن أنفسهم في قولهم :
لَناصِحُونَ
و
لَحافِظُونَ
كيف ورد بالجملة الاسمية المؤكدة بأن ، وما كان عن غيرهم كقوله :
ما لَكَ لا تَأْمَنَّا
، وقوله :
أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ
، وهذا فيه دلالة على ما ذكرناه من الاختصاص والتحقيق والثبوت ، ومن هذا قوله تعالى :
إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ
[ ق : 43 ] وقوله تعالى :
وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوارِثُونَ
[ الحجر : 23 ] وقوله في سورة الواقعة :
أَ أَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ
[ الواقعة : 59 ]
أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ
[ الواقعة : 64 ] وقوله :
أَ أَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها
[ الواقعة : 72 ] إلى غير ذلك من الآي المصدرة بالجمل الابتدائية ، ومن هذا القبيل قوله تعالى :
وَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ
[ المائدة : 61 ] فإنما صدر الخروج بالضمير ، وصيرها جملة ابتدائية ، مبالغة في تصميم عزمهم على الكفر عند الخروج ، وقطع الإياس عن الإيمان يخالف دخولهم ، فإنه ربما كانت نفوسهم تحدثهم بإظهار الإيمان على وجه التقية والمخادعة ، فأما الخروج فهو على قطع وحقيقة ،