تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 147

مساهمون:

ص١٤٧
فتغامز الناس به وتطير به المعتصم وعجبوا من غفلة إبراهيم عن مثل ذلك مع معرفته وعلمه وطول مخالطته للملوك ، فأقاموا أياما وانصرفوا فما عاد منهم اثنان إلى ذلك المجلس ، وخرب القصر بعد ذلك ، وما كان أخلق هذا المقام ببيت السلمى الذي حكيناه عنه من قبل الذي مطلعه « قصر عليه تحية وسلام » فانظر ما بين هذين الافتتاحين ، وكم بين المطلعين ، ومن ذلك ما قاله أبو نواس :
يا دار ما فعلت بك الأيام * لم تبق فيك بشاشة تستام
وهذه القصيدة هي من محاسن شعره وغرائبه ، خلا أنه أساء فيها الافتتاح والمطلع ، أنشأها ممتدحا بها الأمين ابن هارون ، وتعفية الديار ودثورها مما تكره مقابلة الخلفاء والملوك به ، لما فيه من الطيرة وقبح الفأل ، ومن الافتتاحات المكروهة ما قاله البحتري في قصيدة أنشأها مدحا ، فأذهب روحها بهذا الافتتاح السيئ ومطلع هذا الافتتاح بأن يكون مرثية أحق من أن يكون مديحا قال :
فؤاد ملاه الحزن حتى تصدّعا
فمثل هذا يتطير به وتنبو عنه الأسماع ، ومن قبيح الافتتاح وشنيعه ما قاله ذو الرمة :
ما بال عينك منها الماء ينسكب « 1 »
فما هذا حاله لا خفاء بقبحه إذ كان موجها للمدح ، ولما أنشد الأخطل عبد الملك بن مروان قصيدته التي مطلعها « خفّ القطين فراحوا منك أبو بكروا » فقال له عبد الملك : بل منك فغيره ذو الرمة فقال فيه « خفّ القطين فراحوا اليوم أو بكروا » ومن قبيحة ما قاله البحتري :
إنّ للبين منّة لا تؤدّى * ويدا في تماضر بيضاء
فما هذا حاله أعنى ذكر النساء بأسمائهن مما يثقل على اللسان ، فإيراده في الغزل مما يشوه رقته ، ويحط من خفته ، وإنما يستحسن من الغزل بأسماء النساء من كان خفيفا على اللسان ، كأميم ، وسعاد ، وقد عيب على الأخطل أيضا تغزله بقذور ، لما فيها من الثقل في المنطق ، فما هذا حاله ينبغي تجنبه في الأشعار ، فقد عرفت بما ذكرناه ما تجب مراعاته في الافتتاحات والمطلع وما يجب تجنبه في ذلك منها .
هامش
( 1 ) صدر بيت لذي الرمة في ديوانه ص 10 ، وتمامه :. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . * كأنه من كلى مفريّة سرب ؟ .