المقدمة الثالثة في ذكر الحقيقة والمجاز وبيان أسرارهما
اعلم أنّ هذه المقدمة من أعظم قواعد علم البيان ومن مهمّات علومه ، وسر جوهره ، لا يظهر إلّا باستعمال المجازات الرشيقة والإغراق في لطائفه الرائقة ، وأسراره الدقيقة الفائقة كالاستعارة ، والكناية ، والتمثيل ، وغيرها من أنواع المجاز ، وكلما كان المجاز أوقع فالفصاحة والبلاغة أعلى وأرفع كما ستراه ، منبها عليه في هذا الكتاب بمعونة الله ، وعن هذا قال أبو الفتح ابن جنى : أكثر اللغة مجاز ، وهذا صحيح ، فإنّ دخوله في الكلام دخول كلّى ، وهذا كقولك رأيت زيدا ، فإن المرئىّ إنما هو بعضه لا كلّه ، وإذا قلت ضربت زيدا فإن المضروب بعضه لا كله ، وغرضه التنبيه على كثرة المجاز وسعته في الكلام .
تنبيه
اعلم أنّ في الناس من زعم أن اللغة حقيقة كلّها ، وأنكر المجاز ، وزعم أنه غير وارد في القرآن ولا في الكلام ، ومنهم من زعم أن اللغة كلّها مجاز وأن الحقيقة غير محققة فيها .
وهذان المذهبان لا يخلوان عن فساد ، فإنكار الحقيقة في اللغة إفراط ، وإنكار المجاز تفريط . فإن المجازات لا يمكن دفعها وإنكارها في اللغة ، فإنك تقول رأيت الأسد ، وغرضك الرجل الشجاع ، وقوله تعالى :
وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ
[ يوسف : 20 ]
وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ
[ الإسراء : 24 ] إلى غير ذلك ، ولا يمكن أيضا إنكار الحقائق كإطلاق الأرض والسماء على موضوعيهما . وأيضا فإنه إذا تقرّر المجاز وجب القضاء بوقوع الحقائق لأنه من المحال أن يكون هنالك مجاز من غير حقيقة ، فإذا بطل هذا القول فالمختار هو الثالث ، وهو أن اللغة والقرآن مشتملان على الحقائق والمجازات جميعا ، فما كان من الألفاظ مفيدا لما وضع له في الأصول فهو المراد بالحقيقة ، وما أفاد غير ما وضع له في أصل وضعه فهو المجاز ، وصار هذان المذهبان في الفساد شبيهين بمن قال : إن الحقائق كلّها مفتقرة إلى التعريفات كلها وقول من قال : إنها مستغنية عن التعريفات كلها فكما أن المذهبين خطأ فهكذا ما قالاه . وإن الحق أن بعضها مفتقر إلى التعريف دون بعض . فالسواد والألم وما أشبههما لا يفتقر إلى تعريف ، لوضوحه ، والملك ، والجنّ والجوهر ، والعرض تفتقر كلها إلى التعريف فإذا تمهّدت هذه القاعدة فلنذكر ما يتعلّق بالحقيقة على الخصوص ، ثم