تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 203

مساهمون:

ص٢٠٣

النكتة الأولى

قوله تعالى :
أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ
إنما جعله محبوبا لما جبلت عليه النفوس ، ومالت إليه الأهواء ، من الإسراع إلى الغيبة والإصغاء إلى من يتحدث بها ، مع ما فيها من الحظر ، ووعيد الشرع ، فلهذا صدرها بالمحبة ، مشيرا إلى ما ذكرناه ، ويؤيد ما ذكرناه أنه أتى فيها بلفظ المحبة ، ولم تجئ بلفظ الإرادة ، دالا بذلك على موقعها في النفوس وتطلع الخواطر إليها ، ولفظ الإرادة يعطى هذا المعنى ، ولا يتمكن في الأفئدة تمكن المحبة فلهذا آثره .

النكتة الثانية

قوله تعالى :
أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ
إنما جعل الغيبة بمنزلة أكل الإنسان لحم غيره ، لما في ذلك من شدة الملاءمة للمعنى ، وعظم المناسبة فيه ، وذلك أن الغيبة إنما تكون بذكر معايب الناس ، وبيان مثالبهم وتمزيق أعراضهم ، ولا شك أن تمزيق العرض مماثل لأكل الإنسان لحم من يغتابه ، لأن أكل اللحم تقطيع له ، وتمزيق لأوصاله ، ومن وجه آخر ، وهو أن الناس يولعون بالغيبة ، ويشتد شوقهم إليها كما يولع الإنسان بأكل اللحم ، ويعظم شوقه إليه ، ولأجل هذا شبهه بأكل اللحم .

النكتة الثالثة

قوله تعالى :
لَحْمَ أَخِيهِ
فأضافه إلى الأخ ، وإنما جعله كلحم الأخ لأمرين ، أما أولا فلأن التحريم إنما وقع في غيبة المسلمين وأهل الديانة دون غيرهم ، فلا حرمة له من كافر ولا فاسق ، ولا شك أن المؤمنين إخوة بنص القرآن ولهذا أشار إليه بقوله :
لَحْمَ أَخِيهِ
وأما ثانيا فلأن أكل الإنسان لحم الأجنبي يكون مستكرها خبيثا ، فضلا عن كونه أخا له ، فلا شك أن التحريم أوقع ، والغيبة فيه أعظم من غيره ، فلا جرم أورده على جهة المبالغة في المعنى .

النكتة الرابعة

قوله تعالى :
مَيْتاً
وإنما جعله
مَيْتاً
لأمرين ، أما أولا فلأن المغتاب غائبا بمنزلة الميت ، فلا يشعر بما وقع فيه من النقص ، ولا يستطيع الدفع لعدم شعوره ، وأما ثانيا فلأن أكل اللحم إذا كان هزيلا ربما يستكره ويستخبث في النفوس ، فكيف به إذا كان ميتة ، يكون لا محالة أدخل في التقذير وأعظم في الاستخباث .
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 203 | يحيي بن حمزة العلوي اليمني / عبد الحميد هنداوي