تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 189

مساهمون:

ص١٨٩

التعريف الخامس ما قاله ابن الأثير عن نفسه

وهو كل لفظ دل على معنى يجوز حمله على جانبي الحقيقة والمجاز بوصف جامع بين الحقيقة والمجاز ، وهذا نحو قوله تعالى :
نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ
[ البقرة : 223 ] فإن لفظ الحرث دال على معناه بالحقيقة ، لكنه استعمل في مجازه هاهنا وهو الجماع في المأتى المخصوص الصالح للزرع ، فلما كان دالا على حقيقته ومجازه لا جرم كان كناية ، فهذا ملخص كلامه مع حذف كثير من فضلاته وهو فاسد لأوجه ثلاثة ، أما أولا فلأن ظاهر كلامه « معنى » يجوز حمله على جانبي الحقيقة والمجاز ، يدل على أن المحمول معنى واحد على جهة الحقيقة والمجاز ، وهذا خطأ فإن المعنى الواحد لا يجوز أن يكون حقيقة ومجازا لاجتماع النفي والإثبات فيه لأنه يصير حقيقة ، ليس حقيقة وهو باطل ، بل الحق في الكناية أنهما معنيان ، أحدهما حقيقة ، والآخر مجاز ، وظاهر كلامه أنه معنى واحد ، لأن قولنا فلان كثير رماد القدر ، هو بأصله دال على كثرة الرماد ، وبمجازه على كرم الموصوف لكثرة ضيفانه ، فقد أساء في هذا الإطلاق ، وأما ثانيا فلأن ما ذكره يبطل بالاستعارة في مثل قولنا فلان أسد وبحر ، فإن قولنا : أسد كما يدل بحقيقته على السبع ، فهو دال بمجازه على الشجاعة ، فيجب دخوله في حد الكناية ، وأما ثالثا فلأن قوله « بوصف جامع بين الحقيقة والمجاز » يدخل فيه التشبيه ؛ فإنه لا بدّ من اعتبار أمر جامع ، بخلاف الكناية ، فإنها لا تفتقر إلى ذكر الجامع ، فاعتبار قيد الوصف الجامع يدخلها في التشبيه ويخرجها عن حقيقتها ، فهذا ما يرد على حد ابن الأثير في الكناية ، ولقد طول فيه أنفاسه ، وزعم أن أحدا لم يسبقه إلى هذه المقالة ، ومن العجب أنه قد عاب على من ذكر في حد الكناية ذكر الجامع كما حكاه عن بعض علماء البيان ، وأبطله بالتشبيه ، ومع ذلك فإنه قد اعتبره في حده ، وهذه مناقضة على القرب ، ولم يدر أن العلم بصناعة الحدود بمعزل عن علم الكتابة ، فهو ( ممن حفظ شيئا وغابت عنه أشياء ) فإذا عرفت فساد هذه الحدود بما لخصناه ، فالمختار عندنا في بيان ماهية الكناية أن يقال : هي اللفظ الدال على معنيين مختلفين ، حقيقة ومجاز من غير واسطة ، لا على جهة التصريح ، ولنفسر مرادنا بهذه القيود ، فقولنا اللفظ الدال يحترز به عن التعريض ، فإنه ليس مدلولا عليه بلفظ ، وإنما هو مفهوم من جهة الإشارة والفحوى كما سنقرر ماهيته من بعدها بمعونة الله تعالى ، والتفرقة بينه وبين الكناية وقولنا على معنيين ، يحترز به عما يدل على معنى واحد ، فإنه