تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 156

مساهمون:

ص١٥٦

التقسيم الثالث باعتبار صورته وتأليفه إلى الطرد والعكس

اعلم أن أرباب علوم البلاغة متفقون على أن المجاز أبلغ من الحقيقة في تأدية المعنى ، وعلى أن الاستعارة أقوى من التصريح ، وأن الكناية أدخل في إفادة المعاني من تلك الصرائح الموضوعة ، وذلك لأن دلالة هذه الأمور على ما تدل عليه ، إنما كان دلالة باللازم والتابع ، ولا شك أن الدلالة على الشئ بلازمه أكشف لحاله ، وأبين لظهوره ، وأقوى تمكنّا في النفس من غير ما ليس بهذه الصفة ، فأما التشبيه ، فإنما يكون وروده على جهة المبالغة فيما تعلق به ، وهذا هو المطرد في جريه ، وقد يرد على خلاف ذلك ، فإذن له مرتبتان نوضحهما بمشيئة الله تعالى .

المرتبة الأولى في بيان التشبيه المطرد

اعلم أن المبالغة في التشبيه لا يمكن حصولها إلا إذا كان المشبه به أدخل في المعنى الجامع بينهما ، إما بالكبر كقوله تعالى :
وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ
[ الرحمن : 24 ] فمثلها بالجبال لما كانت الجبال أكبر من السفن ، وهكذا القول في السواد ، والبياض ، والحمد ، والذم ، والإيضاح والبيان ، إلى غير ذلك من الأوصاف الجارية في التشبيه ، وآية ذلك وعلامته أنه لا بدّ من أن تكون لفظة « أفعل التفضيل » جارية في التشبيه ، وهذا يدل على ما قلناه من اعتبار زيادة المشبه في تلك الصفة الجامعة بينهما ، فإن لم يكن الأمر على ما قلناه من الزيادة كان التشبيه ناقصا وكان معيبا ، ولم يكن دالا على البلاغة ، وهكذا الحال إذا كانا حاصلين على جهة الاستواء فلا مبالغة في ذلك ، فإذن لا بدّ من اعتبار الزيادة كما أشرنا إليه ، وهو في ذلك على أربعة أوجه « أولها » تشبيه صورة بصورة كقوله تعالى :
كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ
[ القارعة : 4 ] شبه الناس يوم القيامة في الضعف والهوان بالفراش ، لما فيه من الدقة ، وضعف الحال ، وقوله تعالى :
وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ
[ القارعة : 5 ] شبه الجبال مع اختصاصها بالصلابة والقوة ، بأضعف ما يكون وأرخاه ، وهو الصوف لأنه ألين ما يكون عند نفشه ، وما ذاك إلا لإظهار باهر القدرة ،
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 156 | يحيي بن حمزة العلوي اليمني / عبد الحميد هنداوي