جمع الخلق لنا في إمام * قتل البخل وأحيا السماحا
وكقول الحريري :
وأقر المسامع إما نطقت * بيانا يقود الحرون الشموسا
الحكم الرابع في بيان موقع الاستعارة
اعلم أنهم ربما بالغوا في الاستعارة حتى ينزلوها منزلة الحقيقة ، وبيان ذلك أنهم قد يستعيرون الوصف للشيء المعقول ويجعلون تأتيه لذلك الشئ على جهة التحقيق وكأن خلافها محال وكأن الاستعارة غير موجودة ، وينكرون خلاف ذلك ويتعجبون منه ، وهذا كقول أبى تمام :
ويصعد حتى يظن الجهول * بأن له حاجة في السماء
فقرر صعوده في الخصال العالية ، والمراتب الشريفة ، على وجه لا يمكن جحده ولا يسوغ إنكاره ، وأحسن من هذا وأوضح لما نحن فيه قول بعض الشعراء :
ومن عجب أن الصوارم والقنا * تحيض بأيدي القوم وهي ذكور
وأعجب من ذا أنها في أكفهم * تأجج نارا والأكف بحور
فلولا أن هذه الاستعارة قد نزلت منزلة الحقائق لما كان للتعجب وجه ، ومن هذا ما قاله بعض الأدباء :
لا تعجبوا من بلى غلالته * قد زر أزراره على القمر
فالقمر من طبعه إبلاء الأثواب وتقطيعها فمعناه لا تعجبوا من تقطيع الغلالة فإنها مشتملة على القمر ، فانظر إلى تحقيقه للاستعارة وتقريرها ، ومن هذا قوله :
قامت تظللنى من الشمس * نفس أعز على من نفسي
قامت تظللنى ومن عجب * شمس تظللنى من الشمس
فلولا أنها قد نزلت عنده منزلة الشمس على الحقيقة لما كان للتعجب وجه .