صليت في الجامع فلا أرى إلى جنبي من يصلي معي ، فإن اتفق فبقّال أو عصّار أو ندّاف أو قصّاب ، ومن إذا وقف بجانبي أسدرني بصنانه ، وأسكرني بنتنه ! » .
وهذه مقاطع تشير إلى نظرة التّوحيدي المتشائم ، اليائس من النّاس ، للصّداقة في إطارها المثالي ، واجدا بينه وبين جميل بن مرّة شبها في السّلوك والمصير قال : « وقبل كل شيء ينبغي أن نثق بأنه لا صديق ، ولا من يتشبّه بالصّديق ، ولذلك قال جميل بن مرّة في الزّمان الأوّل حين كان الدّين يعانق بالإخلاص ، والمروءة تتهادى بين الناس ، وقد لزم قعر البيت ، ورفض المجالس ، واعتزل الخاصة والعامة ، وعوتب في ذلك فقال :
لقد صحبت الناس أربعين سنة فما رأيتهم غفروا لي ذنبا ، ولا ستروا لي عيبا ، ولا حفظوا لي غيبا ، ولا أقالوا لي عثرة ، ولا رحموا لي عبرة ، ولا قبلوا مني عذرة ، ولا فكّوني من أسرة ، ولا جبروا مني كسرة ، ولا بذلوا لي نصرة ، ورأيت الشغل بهم تضييعا للحياة ، وتباعدا من اللّه تعالى ، وتجرّعا للغيظ مع الساعات ، وتسليطا للهوى في الهنات بعد الهنات ، ولذلك قال الثّوري لرجل قال له : أوصني ، قال : أنكر من تعرفه » .
إلى غير ذلك من الشواهد التي تعمّد التوحيدي إيرادها فهي تعبير عما يصطرع في نفسه من آمال مكبوتة ، وما يجيش به من مرارة ويأس من الحاضر وتبرم بأهله .
بقيت لنا كلمة إجمالية عن رأي التّوحيدي في الصّداقة والصّديق ، فهو وإن لم يبد رأيه بصراحة إلّا أننا نستطيع ، من خلال أقواله واستشهاداته وإشاراته وتلميحاته وإيراده الحكم والنوادر ، أن نكوّن فكرة عن تصوره وفهمه لهذه الرابطة الإنسانية المثلى .
الصداقة والصديق — صفحة 20
مساهمون: أبي حيان علي بن محمد التوحيدي
ص٢٠