والأمراء وأتباعهم والمزارعون والتجار ورجال الدين وأهل العلم والأدب ، ثم ينحدر إلى طبقة الرّعاع والسّوقة قال : « وأما الملوك فقد جلّوا عن الصّداقة ، ولذلك لا تصحّ لهم أحكامها ، ولا توفي بعهودها ، وإنما أمورهم جارية على القدرة ، والقهر ، والهوى ، والشائق ، والاستحلاء ، والاستخفاف ، وأما خدمهم وأولياؤهم فعلى غاية الشبه بهم ، ونهاية المشاكلة لهم لانتشابهم بهم ، وانتسابهم إليهم ، وولوع طور هم بما يصدر عنهم ويرد عليهم » .
وأمّا التّنّاء وأصحاب الضياع فليسوا من هذا الحديث في عير ولا نفير .
وأمّا التّجّار فكسب الدوانيق سدّ بينهم وبين كل مروءة ، وحاجز لهم عن كل ما يتعلق بالفتوة .
وأمّا أصحاب الدّين والورع ، فعلى قلّتهم ربما خلصت لهم الصّداقة لبنائهم إياها على التقوى ، وتأسيسها على أحكام الحرج ، وطلب سلامة العقبى .
وأمّا الكتّاب وأهل العلم ، فإنهم إذا خلوا من التنافس والتحاسد والتماري والتماحك فربما صحّت لهم الصّداقة وظهر منهم الوفاء وذلك قليل ، وهذا القليل من الأصل القليل .
وأمّا أصحاب المذاب والتطفيف فإنهم رجرجة بين الناس ، لا محاسن لهم فتذكر ولا مخازي فتنشر .
تلك هي طبقات مجتمعه من زاوية الصّداقة والتّجربة الشخصية ، ولا ريب في أن هذا تصنيف أديب وجداني ، حسّاس ، ينظر إلى العلاقات الاجتماعية نظرة مثالية إلا أن في هذا التصنيف نصيبا كبيرا من الحقيقة والواقعية .
الصداقة والصديق — صفحة 16
مساهمون: أبي حيان علي بن محمد التوحيدي
ص١٦